الأربعاء، نوفمبر 15، 2017

مذاهب البطولة وأنواع الأبطال!


تقوم الأمم على أكتاف الأبطال، ليس من أمة نهضت وسادت إلا وكانت قصة انطلاقها حافلة بالأبطال والبطولات، الجيل المؤسس في كل دولة هو أصلب أجيالها وأكثرهم بسالة وتضحية، ويظل هذا الجيل هو مفخرة الدولة والأمة، يحتفظون باسمائهم ويعظمون شأنهم ويروون قصصهم ويعلمونها للأجيال لتقتدي بهم وليستمر عطاء هذه الأمة وحضارتها.

ولذلك فقد كان من أخطر أساليب التشويه الفكري أن المحتل هو من يختار لنا أبطالنا، فصارت لدينا مهمة خطيرة لم تتعرض لها الأمة في عصورها السابقة، وهي مهمة تصحيح التاريخ وتوعية الأجيال بحقيقة الشخصيات التي درسوها كأبطال عن غير استحقاق، وإزالة الغبار والركام عن الأبطال الحقيقيين الذين درسوا سيرتهم كأعداء أو إرهابيين أو مجرمين.

وفي عصر أجدادنا الأوائل، عصر الخلافة الراشدة، صفحات زاخرة من البطولة والفداء، أبطال عظماء فتحوا الدنيا شرقا وغربا، قاتلوا العرب والفرس والروم حتى اتسع ظل الإسلام على كل هذه البلاد، عشرات الآلاف من الفاتحين الذين اكتسحوا الأمم ونشروا العدل وفتحوا صفحة جديدة في تاريخ العالم، أغلبهم لا نعرف أسماءهم، والقليل منهم فحسب هو الذي بقيت سيرته يرويها التاريخ حتى وصلت إلينا.

1. بطولات الجهاد

هل سمعتم عن هاشم بن عتبة؟

إنه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، ابن أخي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، كان يُلقَّب بالمرقال لما له من سرعة في الحرب، إذ كانت العرب تقول للإبل إذا أسرعت "رقلت الإبل"، وهو من الأبطال المعدودين الذين شهدوا المعركتين الفاصلتين: اليرموك في جبهة الروم والقادسية في جبهة الفرس. وذلك أن خالد بن الوليد لما نقله أبو بكر من جبهة الفرس إلى جبهة الروم أخذ معه نصف الجيش الفاتح في جبهة الفرس، ولما انتهت الموقعة الفاصلة "اليرموك" عاد هذا الجيش إلى العراق ليجد نفسه أمام المعركة الفاصلة الأخرى "القادسية".

فكان أولئك من الأبطال الكبار.. ومنهم صاحبنا هاشم بن عتبة الذي كان قائد هذا الجيش العائد.

عاد هاشم بن عتبة من اليرموك وقد فقد عينه اليمنى في سبيل الله، فخاض جهاده في القادسية وما بعدها بعين واحدة، وهو من مشاهير العور في التاريخ الإسلامي.

كان رجلا ضخما، ماهرا كفئا حتى قالت عنه عائشة: كان رجلا لا تكاد تزل به دابته، وقد وصل إلى القادسية بعد أن اشتعلت المعركة، وكان لأجل ذلك قد قدَّم أمامه القعقاع بن عمرو التميمي، فوصل القعقاع ونفذ خطته النفسية في تقسيم طليعته إلى فئات صغيرة تثير الغبار ثم تنضم تباعا إلى الجيش بحيث يظهر أن المدد قد وصل، فما إن انتهى ضم الطليعة إلى الجيش حتى كان جيش هاشم بن عتبة قد وصل فصار ينضم إلى المسلمين تباعا هكذا لدعم المعنويات في الجيش المسلم وإخمادها في جيش الفرس.

ومنذ وصل إلى القادسية حتى أبلى في قتالها بلاء حسنا مشهورا، ثم بعد انتصار القادسية كان من قادة الجيش الإسلامي الذي انطلق إلى المدائن، وهناك قبل الوصول أطلق الفرس أسدا كان قد اتخذه كسرى من حديقة له، وكان الأسد سلاحا جديدا آخر مختلفا عن الفيلة.. إلا أن صاحبنا البطل الكبير هاشم بن عتبة نزل عن فرسه فتصدى للأسد بشجاعة قلب نادرة حتى قتله بسيفه، فكان فتحا معنويا للمسلمين ورعبا جديدا ينزل بالفرس، حتى إن سعد بن أبي وقاص –قائد الجيش وعم هاشم- قبل رأس هاشم فقبل هاشم قدمه.

ثم كان هاشم قائد جيش المسلمين في جلولاء التي تجمعت بها قوات الفرس بعد اندحارهم الكبير في القادسية، حيث كان هذا آخر جيش كبير لهم، فانتصر عليهم النصر الكبير الذي انهارت بعده امبراطورية فارس تماما.

وكان هاشم فيما بعد من قادة فتوح فارس، ومع ذلك خرج من كل هذا سليما فلم يمت إلا بعد عشرين سنة في معركة صفين حيث كان من قادة جيش علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

2. بطولات السياسة

عادة ما يجري الحديث عن بطولات المقاتلين ويغفلون عن بطولات السياسيين والسفراء، والواقع أن من يخوض معركة السياسة شرط أن يكون مخلصا حقا يستطيع بذكائه وحسن تدبيره أن يوفر على المسلمين دماء كثيرة، وأن يحقق بالسياسة ما قد تعجز عنه الحروب.. وصحيح طبعا أن قوة السياسي تنبع من قوته على الأرض وقدرته على خوض المعارك.. فالسياسة والحرب كالجناحين للطائر، والأمم التي تنتصر لا بد لها من استعمال الأمرين معا.

أولا: سفراء القادسية
قبل أن تنشب معركة القادسية، وهي المعركة الكبرى القاصمة في فتوح فارس، جرت مفاوضات بين المسلمين والفرس، وكان سفراء المسلمين فيها ثلاثة: ربعي بن عامر وحذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة.

كان قائد جيش المسلمين سعد بن أبي وقاص قد أرسل في طلب وفد من الدهاة والسفراء، فلما اجتمع بهم اقتراح ربعي بن عامر أن ذهابهم وفدا كبيرا سيوحي للفرس أن العرب يهتمون لأمرهم، بينما إرسال واحد فحسب يدل على قوة المسلمين وقلة اكتراثهم بالفرس، فأعجب هذا الرأي سعد بن أبي وقاص، وقرر أن يكون سفراؤه واحدا تلو الآخر. فكانت البداية بصاحبنا ربعي بن عامر رضي الله عنه.

أراد الفرس أن يحدثوا صدمة نفسية للسفير المسلم، فجهزوا له استقبالا مهيبا، حيث لبسوا فيه الثياب المذهبة وفرشوا الوسائد والنمارق المزخرفة، وصنعوا صورة بصرية فاخرة ومهيبة، وعزموا على أن يتعاملوا معه بقلة اكتراث ولا مبالاة. وعلى الجانب الآخر دخل ربعي بن عامر في صورة المقاتل الأشعث الأغبر الفقير الصلب، معه سيفه ودرعه وأسهمه تدل على الخشونة والبساطة حتى إن غمد سيفه كان من القماش الأخرق الرثِّ. لكن الأهم من هذا أنه لم ينبهر بزينة الفرس بل مضى هذا المقاتل الأشعث فأخذ وسادة من زخارفهم فشقها ليربط بها بغلته في مقدمة الخيمة السلطانية لرستم، ثم صار يمشي متوكأ على رمحه فيخرق البسائط والنمارق والوسائد بلا مبالاة، ولأنهم عزموا على إظهار اللا مبالاة به فقد تركوه مظهرين الاستهانة بشأنه حتى اقترب إلى رستم في صدر المجلس فأراد أن يجلس إلى جواره فمنعه الحرس الخاص الذين حملوه فأبعدوه، فإذا به يزيح بسائطهم ويجلس على الأرض وهم يستغربون ويسألون:

-       ما حملك على هذا؟
-       فقال: إنا لا نستحب الجلوس على زينتكم هذه
-       فقال له رستم: ما جاء بكم؟
-       قال: الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه يليها دوننا ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله.
-       قال: وما موعود الله؟
-       قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي.
-       فقال رستم قد سمعت مقالتكم فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه وتنظروا؟
-       قال: نعم كم أحب إليكم أيوما أو يومين؟
-       قال: لا بل حتى نكاتب أهل رأينا ورؤساء قومنا. (وأراد مقاربته ومدافعته)
-       فقال: إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به أئتمنا ألا نمكن الأعداء من آذاننا ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك وأمرهم واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: اختر الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن كنت عن نصرنا غنيا تركناك منه وإن كنت إليه محتاجا منعناك، أو المنابذة في اليوم الرابع ولسنا نبدؤك فيما بيننا وبين اليوم الرابع إلا أن تبدأنا أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى.
-       قال: أسيدهم أنت؟
-       قال: لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم.

واستطاع ربعي بهذا المنظر البسيط المخيف، وبهذا الكلام الواضح أن يوقع الرهبة في نفس رستم الذي بدا كأنه يميل إلى تجنب الحرب، فقال لقومه: هل رأيتم كلاما قط أوضح ولا أعز من كلام هذا الرجل؟

قالوا: معاذ الله لك أن تميل إلى شيء من هذا وتدع دينك لهذا الكلب! أما ترى إلى ثيابه؟

فقال: ويحكم لا تنظروا إلى الثياب ولكن انظروا إلى الرأي والكلام والسيرة إن العرب تستخف باللباس والمأكل ويصونون الأحساب ليسوا مثلكم في اللباس ولا يرون فيه ما ترون.

ثم كان للمسلمين سفيرين في اليوم الثاني والثالث هما حذيفة بن محصن والمغيرة بن شعبة، ولم يختلف كلامهما كثيرا عن كلام ربعي بن عامر، بل إن مما وقع للمغيرة أنه سار إلى أن أراد أن يجلس إلى جوار رستم مباشرة فلما أخذه الحرس فوثبوا عليه ومنعوه قال لهم:

"كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوما أسفه منكم، إنا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا إلا أن يكون محاربا لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه ولم آتكم ولكن دعوتموني اليوم علمت أن أمركم مضمحل وأنكم مغلوبون وأن ملكا لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول"

ولما فرغوا من الحوار على نفس ما قاله ربعي وحذيفة قال رستم: هؤلاء والله الرجال صادقين كانوا أم كاذبين والله لئن كان بلغ من إربهم وصونهم لسرهم ألا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم لئن كانوا صادقين ما يقوم لهؤلاء شيء.

وبهذا فعل السفراء في نفوس القادة والكبار ما لم تكن تستطيع السيوف أن تفعله من قذف الرعب في قلوبهم وتثبيت هيبة المسلمين.

ثانيا: أرطبون العرب وأرطبون الروم

لما تمكن المسلمون من فتح الشام بقيت أمامهم مدينة بيت المقدس، وضرب المسلمون حولها الحصار، وكان قائدها الرومي واحدا من أذكى وأدهى قادتهم ويسمى "الأرطبون".

وكان الجيش الإسلامي المحاصر لها بقيادة عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهو المعدود كذلك من دهاة العرب، فجرت بين عمرو وبين الأرطبون رسائل وسفارات لم يستطع عمرو منها أن يحصل على ما يريد، فعزم على أن يذهب بنفسه على هيئة السفير.

وهناك دارت معركة سياسية بين داهية العرب وداهية الروم!

كان كلام عمرو ونظراته مما فهم معه الأرطبون أنه ليس شخصية سفير فحسب، ووقع في نفسه أنه عمرو بن العاص أو على الأقل رجل من كبار القادة الذين يأخذ عمرو برأيهم، فعزم على اغتياله وقال: "ما كنت لأصيب القوم بأمر أعظم عليهم من قتله"، ثم كلف واحدا من جنوده بأن ينفذ هذا الاغتيال أثناء عودة عمرو، ولكن عمرا أحس بما يُدبَّر له، فقال له في الجلسة الأخيرة:

"قد سمعت مني وسمعت منك فأما ما قلته فقد وقع مني موقعا، وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب مع هذا الوالي لنكانفه ويشهدنا أموره، فأرجع فآتيك بهم الآن فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى فقد رآه أهل العسكر والأمير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم وكنت على رأس أمرك".

فأعجب الأرطبون أن الصيد سيكون أعظم من هذا، سيبلغ عشرة من كبار القادة، فأرسل إلى المكلفين بالاغتيال أن يتوقفوا، وبهذا نجى عمرو، ثم علم الأرطبون أنه كان هو الخاسر في حرب العقول هذه، فقال: خدعني الرجل هذا أدهى الخلق.

ولما بلغت عمر فقال غلبه عمرو لله عمرو، لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب.

3. استخدام الحرب النفسية

ومما لا ينتبه له كثيرا في بطولات أجدادنا الفاتحين استعمالهم للحرب النفسية، وبها بلغوا نتائج لم يكن بالإمكان تحصيلها بغير هذه الوسيلة. وهو ما ينبغي أن ننتبه له في واقعنا المعاصر ونستفيد منه.

سنحكي في هذا الإطار مثالا واحدا فحسب، وهي الخطة التي وضعها خالد بن الوليد في معركة اليرموك الفاصلة.

لقد بنى خالد بن الوليد خطته يوم اليرموك على إحداث الصدمة النفسية في جيش الروم، وكانت الانتصارات السابقة للمسلمين قد أوقعت الفزع في نفوس الروم، حتى إن هرقل إمبراطور الروم أمر قائده في اليرموك باهان –وكان من أشهر قادتهم وأكثرهم قوة وذكاء- أن يضع جيشه في موقع من الأرض "واسع المطرد ضيق المخرج" بحيث لا يكون أمامهم فرصة إلا الثبات، كذلك فقد جعل صفوفا من جنوده مربوطين بالسلاسل لئلا يندفعون إلى الهروب إذا شدّ عليهم المسلمون.. وقد اختار قائده بالفعل موقعا تتحقق فيه هذه الصفات، حيث موقع المعركة نفسه فسيح ولكنه محدود من ثلاث جهات بفروع نهر الأردن، ولا يبق إلا الموضع الذي دخلوا منه، وهو الذي جاءه المسلمون فيما بعد فصار الروم بين المسلمين من الأمام وبين الماء من ثلاث جهات، حتى قال سيدنا عمرو بن العاص: "أبشروا، قد حصرت اليوم، ولا يأتي محصور بخير".

ومن قوة الصدمة النفسية أن أحد فرسان الروم الكبار وهو من سفرائهم كذلك، أي أنه جمع بين القوة والعقل، وكان اسمه جرجة، أسلم قبل أن تبدأ المعركة، حيث خرج بين الصفين بعد انتهاء المفاوضات وقبل ابتداء القتال ونادى على سيدنا خالد بن الوليد، فخرج له واقتربا حتى أمن كل منهما الآخر، ثم قال له:

-       يا خالد اصدقني ولا تكذبني فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني فإن الكريم لا يخادع.. بالله هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟
-       قال: لا.
-       قال: فبم سميت سيف الله؟
-       قال إن الله عز و جل بعث فينا نبيه صلى الله عليه و سلم فدعانا فنفرنا عنه ونأينا عنه جميعا ثم إن بعضنا صدقه وتابعه وبعضنا باعده وكذبه فكنت فيمن كذبه وباعده وقاتله ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا فهدانا به فتابعناه فقال أنت سيف من سيوف الله سله الله على المشركين ودعا لي بالنصر فسميت سيف الله بذلك فأنا من أشد المسلمين على المشركين.

ثم أسلم جرجة وانحاز إلى المسلمين وقاتل معهم، واستشهد في اليرموك ولم يصل إلا ركعتي إسلامه، وقيل: بل لم يصل أبدا. فهو ممن مات على الشهادة ولم يسجد لله سجدة.

نعود إلى خطة خالد بن الوليد في اليرموك..

لقد استوعب خالد منذ رأى فرسان الروم أن عددهم وقوتهم أكبر بكثير من فرسان المسلمين، وأنه لا يستطيع أن يتصدى لهم، فكان أساس خطته أن يحتفظ بفرسانه دون خوض قتال، وأن يجعلهم خلف جيش المسلمين من المشاة، وأن يتحمل المشاة المسلمون صدمة فرسان الروم.. لذلك أوصى المسلمين بالصبر والثبات ما استطاعوا، ثم ذهب إلى النساء في مؤخرة الجيش فأوصاهن أن يضربوا من يرجع منسحبا من أمام الروم بالحجر أو حتى بالسيف حتى يعود مرة أخرى لقتالهم فلا يتتابع انسحاب المسلمين.

كان خالد يريد امتصاص صدمة فرسان الروم وإضعافها بمقاومة الفرسان المسلمين وتيسير انفصال فرسان الروم عن بقية الجيش وهو من المشاة.. وبالفعل تحقق الواقع كما أراد خالد، فاندفع فرسان الروم يهاجمون الميمنة والميسرة، واستطاعت صدمتهم الشديدة أن تضغط على جيش المسلمين حتى تقهقرت وضعفت الميمنة والميسرة واستطاع بعض فرسان الروم أن ينفذ من جيش المسلمين إلى أن وصل إلى معسكر النساء، ومع قوة الصدمة انهارت بعض قطاعات الميمنة والميسرة فانسحب منهما المسلمون، وهنا جاء دور النساء اللاتي صرن يقذفن المتراجعين ويواجهن من استطاع النفاذ إليهن من فرسان الروم بالحجارة والخناجر وعواميد الخيام.. وكانت لحظات عصيبة ظهرت فيها بطولات وبسالات شديدة في الصمود والثبات.

كل هذا وسلاح الفرسان لم يتحرك بعد.. لقد انتظر خالد حتى يتحقق من انفصال الفرسان عن المشاة، ومن تعثر صدمة الفرسان بثبات المسلمين، وهنا تدخل سلاح الفرسان وانطلق قسم بقيادة خالد وقسم بقيادة قيس بن هبيرة، فنفذوا هجوما مفاجئا على فرسان الروم الذين اضطرب أمرهم لظهور قوات أخرى من الجيش لم يتنبهوا لها، فتخلخل هجومهم ونظامهم وزادوا تعثرا، ثم سمح لهم خالد بالنفاذ والخروج من المعركة، فانطلقوا في ظل هذه الصدمة النفسية يهربون من ذلك المنفذ الذي يقع خلف معسكر المسلمين.

ثم عاد خالد ليهاجم جيش الروم (المشاة) بعد فراغه من فرسانهم، وعندئذ تحققت الصدمة التي كان ينتظرها خالد رضي الله عنه، إذ صار المشهد عند الروم أن فرسانهم قد انطلقوا فخاضوا المعركة ثم لم يرجعوا، وإذا بهم يفاجؤون بهجوم فرسان المسلمين عليهم.. فوقع فيهم الاضطراب والارتباك، وصاروا يتراجعون إلى الخلف، وزاد الطين بلة أنهم لا مهرب لهم إلى الخلف، بل إن ثمة جنود لا يستطيعون انسحابا طبيعيا لأنهم مترابطين بالسلاسل.. فصارت فرسان المسلمين ثم مشاتهم تضغط على جيش الروم الذي لا يجد إلا الرجوع أكثر مما يزيد في اضطرابه وارتباكه، وكان الزمن في تلك اللحظة قد صار بعد العصر، وكان اليوم ضبابيا.. فانهار جيش الروم بوقوعه في الواقوصة، المرتفع الذي ينحدر إلى النهر.

وبهذه الصدمة النفسية، انتصر المسلمون في أعظم معارك فتوح الشام وفي واحدة من أعظم معارك كل تاريخ الإسلام.

الخلاصة:

لا تتقدم الأمم إلا على أكتاف الأبطال ذوي البسالة والتضحية، وما من أمة نهضت إلا وكان جيل تأسيسها من الأبطال الأشداء الذين بذلوا تضحيات هائلة مهدت الأرض لقيام دولتهم وحضارتهم.

إلا أن البطولة لا تنحصر فقط في القتال، بل لا بد لها من أبطال آخرين في ساحة السياسة والتفاوض والسفارة وعرض الأفكار، أي لا بد أن يكون جهازها الإعلامي والدبلوماسي على نفس القدر من الكفاءة والإجادة.. وصحيح أن قوة السياسي تكمن فيما يسنده من المقاتلين البواسل، ولكن الصحيح أيضا أن السياسي يستطيع بذكائه وعقله أن يحقق ما تعجز عنه السيوف وأن يمهد لانتصارها النفوس.

ومما لا ينتبه له كثيرا في شأن الحروب والمفاوضات أمر الحرب النفسية، وهي مسألة في غاية الأهمية ونغفل عنها كثيرا، وقد صارت الحرب النفسية الآن علما كبيرا وله نظرياته وفروعه ومؤلفاته، ولا بد للمجاهدين من قراءة هذه الكتب واستيعاب هذه النظريات واستعمال هذه الأساليب.. فرب خطة حكيمة أنهت معركة فاصلة فارقة.

الثلاثاء، نوفمبر 14، 2017

بشهادة يهود ومستشرقين: اليهود بين أمة الإسلام والأمم الأخرى

أرسل الله رسوله بالهدى ودين الحق فقال تعالى في شأنه {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم رسالته فقال: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ"[1]، وقد أتم الله الدين وبلغ النبي الرسالة فصار المسلمون كما وصفهم ربهم {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110].

وقد كانت سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم هي أعظم قصة نجاح بشري، حتى عدَّه مايكل هارت أعظم عظماء العالم لأنه الوحيد في التاريخ الذي نجح على المستوى الديني والدنيوي معا، وكان تاريخ المسلمين أقوم تواريخ الأمم وإن كان تاريخ بشر غير معصومين.

في هذه المقال –والمقالات القادمة إن شاء الله تعالى- نتناول وجها من وجوه إثبات عظمة هذه الرسالة وخيرية هذه الأمة،  وهي مسألة تاريخ اليهود في ظلال الإسلام، لنرى كيف تعامل المسلمون مع قوم وصفهم القرآن الكريم بأنهم أشد الناس عداوة للذين آمنوا، ومع هذا أمرهم بالعدل معهم والإحسان إليهم وحرَّم عليهم ظلمهم واضطهادهم. وسيبدو الأمر أكثر بروزا إذا ما قورن حال اليهود في ظل الإسلام والمسلمين بحالهم في ظل غيره من الدول والأمم.

منهج إلزام الحجة

وقد اخترنا أن نسلك في هذا البحث مسلكا صعبا، لكنه أبلغ حجة، إذ سنعرض لتاريخ اليهود في ظل الإسلام من خلال أقوال المستشرقين والمؤرخين الغربيين وحسب، ومن بين هؤلاء جملة من المتعصبين بل ومن اليهود والصهاينة أنفسهم، فيكون هذا من نوع {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26]، وقد سرنا في النقل هنا على هذا المنهج:

1. شمل النقل مستشرقين وغربيين من شتى الاتجاهات والعصور، لكن الذي يجمعهم أن أحدا منهم لم يدخل في الإسلام، وأن هذه المواد كلها كُتِبَتْ في زمان استضعاف المسلمين وسيادة الاستعمار (منذ القرن التاسع عشر حتى الآن) مما لا يمكن اتهامها بالنفاق أو التزلف، ثم إنها جميعا كُتِبَتْ في الأصل للغربيين فلا مجال فيها للمحاباة أو التجمل.. وذلك ليكون أبلغ في الحجة.

2. اكتفينا من النقل بموقع الشاهد من البحث ولم نعلق على شيء إلا في أحيان نادرة للغاية، وتركنا التعليق سواء أوافقنا المستشرق فيما قال أم خالفناه أم كان ثمة تحفظ، إذ لا يتسع المقام لمناقشة عميقة للرأي المفصل للمستشرق. والمقام هنا مقام إلزام بالحجة لا مقام تدقيق تاريخي في الوقائع وتحليلها.

3. أكثر المستشرقين بخيل في الإنصاف، فسرعان ما يلحق قوله بالاستثناء والاستدراك، أو أنه يصوغ عبارته من الأصل بحيث لا تؤدي معنى الإنصاف بوضوح، إلا أن حقائق التاريخ كانت أثبت من محاولاتهم، فنقلنا ما في كلامهم من اعتراف بهذه الحقائق إذ هو مقصود البحث، وتركنا مناقشة أساليبهم في التشغيب على الحقيقة لدراسة قادمة أكثر توسعا وتفصيلا إن شاء الله.

4. أثبتنا هنا ما كان فيه اليهود عبر التاريخ الإسلامي من سعة وحسن حال، بصرف النظر عما إن كانت السلطة تفعل هذا تنفيذا لأوامر الإسلام أم تجاوزا لها، إذ المقام هنا تاريخي لا شرعي، فكثيرا ما بزغ نجم اليهود في بعض الأحقاب حتى تسلطوا على المسلمين وبلغوا ما لا يجوز لهم شرعا من المكانة وتسببوا في أزمات وتوترات اجتماعية، فذكرنا في هذه الدراسة ذلك ولم نعلق على الأمر بحكم الشرع فيه.

5. والقصد من هذا البحث كله إثبات أن اليهود لم يتعرضوا لاضطهاد مخصوص في التاريخ الإسلامي لكونهم يهودا، ولم تمنعهم يهوديتهم من تولي الوظائف أو ممارسة الأنشطة أو الاقتراب من السلاطين.

6. اخترنا في العرض الأحقاب الكبرى في التاريخ الإسلامي: الراشدي والأموي والعباسي والعثماني، مع إلقاء ضوء على المغرب والأندلس، واخترنا من النقولات ما كان عاما على ما كان مفصلا أو جزئيا، وأدرجنا ما كان في دول صغيرة ضمن هذه الأحقاب الكبيرة طبقا لما يسمح به المقام.

المقارنة الكاشفة

قال اليهودي الصهيوني المصري إيلي ليفي أبو عسل في كتابه "يقظة العالم اليهودي" الذي هو بمثابة الدعاية للمشروع الصهيوني مُقِرًّا بالحقيقة التاريخية:

"لسنا نعجب إذا رأينا ذلك التسامح النبيل الذي تجلى من جانب العرب المسلمين نحو اليهود، ولسنا ندهش له، لأننا نرى له سببا طبيعيا وجنوحا غريزيا إليه، فهو مظهر من مظاهر الميل الفطري والعنصري لائتلاف طباعهم، وتلائم أميالهم ونزعاتهم، فكان العرب في كل مكان وزمان يعاشرون اليهود معاشرة قائمة على الإخلاص وحسن النية، ويجري اليهود معهم على منهج وفي قويم لا شائبة فيه ولا دنس، لذلك قلما كان يجد اليهود عطفا شريفا يضارع عطف العرب عليهم لدى الأمم الأخرى. فإذن لييس بعجيب إذا اندمج هذان العنصران، لأنهما خلقا من جوهر واحد، ونزلا من سلالة واحدة وهي سلالة إبراهيم عليه السلام... قضى ناموس الارتقاء وتنازع البقاء والانتخاب الطبيعي بشد أزر القوي وسحق الضعيف، ولما كان اليهود في كل مكان لم يُؤلفوا إلا أقليات ضئيلة، فكان طبيعيا أن وجودهم والحالة هذه لم يكن قائما على عوامل سياسية أو طبيعية، بل على روح تسامح الأهلين المتاخمين لهم"[2].

وذات الحقيقة يقررها المؤرخ الإسرائيلي المعروف صموئيل أتينجر، وهو أستاذ للتاريخ اليهودي بالجامعة العربية في القدس، فيقول:

"عاش يهود المشرق الإسلامي على مدى ما يقرب من ألف ومائتي عام تحت حكم الإسلام، وأطلق عليهم طيلة هذه الفترة اسم "أهل الذمة". وكان يحق لهم ممارسة شعائرهم الدينية في مقابل الجزية التي كانوا يدفعونها للسلطات التي كانت تتولى حماية ممتلكاتهم، واتسمت علاقة اليهود بالمجتمع المحيط بهم بقدر كبير من الاستقرار، ولكننا نستثني بالطبع بعض الحالات التي تعرض اليهود فيها لبعض المضايقات... وكان وضع يهود الشرق أفضل بكثير من وضع يهود أوروبا الذين اضطهدوا لأسباب سياسية واقتصادية ودينية، فكثيرا ما كانوا يُطردون من البلدان التي أقاموا فيها، في حين لم يتعرض يهود بلدان الشرق لنفس المصير"[3].

ومن سينظر إلى التاريخ سيجد، كما يقول المستشرق الألماني المعروف آدم متز، أن "أكبر فرق بين الإمبراطورية الإسلامية وبين أوروبا التي كانت كلها على المسيحية في العصور الوسطى وجود عدد هائل من أهل الديانات الأخرى بين المسلمين"[4].

وما كان ذلك ليوجد لولا كلمة {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] كما تفسر المستشرقة الألمانية الشهيرة زيجريد هونكه، والتي تضيف "وبناء على ذلك فإن العرب لم يفرضوا على الشعوب المغلوبة الدخول في الإسلام. فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قبل الإسلام أبشع أمثلة للتعصبي الديني وأفظعها، سُمِح لهم جميعا دون أي عائق يمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترك المسلمون  لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يمسوهم بأدنى أذى. أوليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مثل تلك الأعمال ومتى؟ ومن ذا الذي لم يتنفس الصعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ وبعد فظائع الإسبان واضطهادات اليهود؟"[5].

والخلاصة، كما يجملها المستشرق وعالم الاجتماع الفرنسي الشهير جوستاف لوبون، هي أن "مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية، وأنه لم يَقُلْ بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على الخصوص، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سُنَّتِه، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوربا المرتابون أو المؤمنون القليلون الذين أنعموا النظر في تاريخ العرب"[6].

في المقال القادم إن شاء الله نبدأ باستعراض أحوال اليهود في عهود التاريخ الإسلامي، فالله المستعان.



[1] أحمد (8952) والحاكم (4221) وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي، وصححه الألباني (السلسة الصحيحة 45).
[2] إيلي ليفي أبو عسل، يقظة العالم اليهودي، (القاهرة: دار الفضيلة، بدون تاريخ)، ص96، 97.
[3] صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، ترجمة: د. جمال أحمد الرفاعي، مراجعة: د. رشا عبد الله الشامي، سلسلة عالم المعرفة 197، (الكويت: المجلس الوطنيّ للثّقافة والفنون والآداب، مايو 2001م)، ص45.
[4] آدم متز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، ط3 (القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر، 1957م)، 1/75.
[5] زيجريد هونكه، شمس الله تسطع على الغرب، ترجمة: فاروق بيضون وكمال دسوقي، ط10 (بيروت: دار صادر، 2002م)، ص364.
[6] جوستاف لوبون، حضارة العرب، ترجمة: عادل زعيتر، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000م)، ص128.

الأربعاء، نوفمبر 08، 2017

عبد الله عامر.. المؤرخ النسابة رجل الأعمال والمخابرات

عبد الله بن عامر، هو أبو بكر الصديق.. استعملت الاسم المجهول في العنوان للتشويق، ولأني أحسب أن تلك السطور ستروي لك قصة مجهولة من سيرة أبي بكر.

مما لا يكاد يُلتفت إليه في سيرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه هو دوره وقيمته في لحظة بدء الدعوة.. لقد كان أبو بكر من أعظم نعم الله على نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا يكاد أن تكون دعوة ولا داعية معه مثل أبي بكر إلا وكان نجاحه مسألة وقت.. كيف هذا؟

يورد أهل السير أن أبا بكر كان أعلم قريش بأنسابها وأيامها، وأنه كان تاجرا، سمح الأخلاق، إلفا مألوفا.

العلم بأنساب قريش وأيامها (أي: تاريخها) هو عِلْمٌ بخريطة قريش ومواقع النفوذ فيها، وعلم بالبطون والعشائر وأصولهم ومنازعاتهم ومحالفاتهم، ومعاركهم وثاراتهم، وطموحاتهم ومخاوفهم، وطباعهم وأخلاقهم، وما يُمْدَحون به وما يعاب عليهم، وما يتفاخرون به وما يستترون منه. ويعرف معادن رجالهم وأصحاب الشأن فيهم.

ومثل هذا حين يكون صاحب دعوة ورسالة يعرف بيسر وسهولة كيف يدخل بها على كل قوم، ومن منهم يُصطفى لها ومن منهم يُتَجَنَّبها، ويعرف كيف يخاطب كل قوم بها من جهة ما يجذبهم إليها. ثم هو بعد ذلك يعرف من أين يُتوقع أن يأتي الخطر والصد والرد والمواجهة، ومن المرشح أن يقف ضد تلك الدعوة والرسالة فيحاربها ويعاديها. ثم هو يعرف كيف تكون أساليب الرد عليه وتذكيره بالمثالب والمعايب واستعمالها في الحط منه والنكير عليه.

هنا نرى أبا بكر يمثل جهاز الأمن والمعلومات للدعوة الإسلامية الوليدة، الجهاز الذي يوفر لها المعلومة الصادقة الدقيقة، ولهذا ما إن سمع أبو بكر بالدعوة وصدقها حتى انطلق فجاء في الأيام الأولى بتسعة من المسلمين، ستة منهم من العشرة المبشرين بالجنة، بالإضافة إلى إسلام أسرته. أولئك النفر الذين أسلموا على يد أبي بكر هم أعمدة الإسلام الذين حملوه حتى فتح المشرق والمغرب. ما كان له أن يفعل هذا لولا ذلك العلم بالناس ومعادنهم!

وقد جرت الاستفادة من خريطة أبي بكر في خطاب الدعوة للناس، سواء في باب استمالتهم أو في باب رد عاديتهم، فمما روي في استمالتهم أنه كان يصحب النبي حين كان يعرض نفسه على القبائل، فتقدم إلى قبيلة فسألهم: ممن القوم؟
قالوا: من ربيعة.
قال: وأي ربيعة أنتم أمن هامها أم من لهازمها؟
قالوا: بل من هامها العظمى.
قال أبو بكر: فمن أي هامتها العظمى أنتم؟
فقالوا: ذهل الأكبر.
قال لهم أبو بكر: منكم عوف الذي كان يقال له لا حر بوادي عوف؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم بسطام بن قيس أبو اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم الحوفزان بن شريك قاتل الملوك وسالبها أنفسها؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم جساس بن مرة بن ذهل حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا.
قال: فمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم أخوال الملوك من كندة؟ قالوا: لا.
قال: فأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا.
قال لهم أبو بكر رضي الله عنه: فلستم بذهل الأكبر بل أنتم من ذهل الأصغر".

وتسجل ذات الرواية بعد قليل دخولهم على قوم آخرين في "مجلس عليه السكينة الوقار، وإذا مشايخ لهم أقدار وهيئات، فتقدم أبو بكر فسلَّم وقال: ممن القوم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة. فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي ليس بعد هؤلاء من عز في قومهم".

وأما في رد عاديتهم فقد كان شاعر الإسلام حسان بن ثابت إن أراد هجاء من يسبون رسول الله، راح إلى أبي بكر ليعرف أنسابهم وأيامهم، فيتخير من الألفاظ والوقائع والمعاني ما لا يقترب به من نسب رسول الله، إذ للنبي في قريش نسبا، فتعلم من أبي بكر ما يحتاج إليه ثم انطلق ليوقع بهم هجاء كان أشد عليهم من السهام.

في عصرنا هذا كان غياب الجهاز الأمني للحركة الإسلامية وحركات المقاومة هو أقوى وأخطر ثغراتهم التي أفضت إلى هزيمتهم وإفشالهم، وقد روى بعض رجال تلك الحركات أنه كان من شرط السماح للإخوان المسلمين في عصر مبارك بالبقاء هو ألا يكون لهم أي جهاز جمع معلومات ولو اقتصر فحسب على أحزاب المعارضة الأخرى (راجع للمزيد مقال: ما الذي ينقص الحركات الإسلامية لتنجح).

ومن المثير للأسى أن حركة تغيير أو مقاومة أو ثورة تفكر في مواجهة نظام وهي لا تعرف خريطة رجاله وتحالفاتهم وعلاقاتهم وخصوماتهم، ولا تعرف أهم خمسين اسم، أو أهم خمسين شركة، أو أهم خمسين موقع.. مثل تلك الحركة حركة عمياء! وكانوا قديما يضربون المثل بالملاكم القوي الضخم الذي يفقد قوته كلها إن وُضِعت الغمامة على عينه، فكيف إن كان الأعمى هو الملاكم الضعيف الذي يواجه الملاكم الضخم المبصر؟!

وكان ما لدى أبي بكر من العلم بالأنساب والأيام يجعله مركز شبكة العلاقات العامة للدعوة الإسلامية، كان يجتمع إليه صفوة الناس في قريش ونخبتهم على اختلاف قبائلهم، ورغم أن أبا بكر من قبيلة ضعيفة في قريش (قبيلة تيم بن مرة) إلا أن أثره كان ممتدا لسائر قريش. ولو دققنا في أسماء التسعة الأوائل الذين أسلموا على يده لوجدنا فيهم: عثمان بن عفان (من بني أمية بن عبد شمس) والزبير بن العوام (من بني أسد) وسعد بن أبي وقاص (من بني زهرة)، وأبو سلمة بن عبد الأسد (من بني مخزوم) وغيرهم. وليس من دعوة إلا وهي تحتاج رجالا في مواقع النفوذ والتأثير من مراكز قوى المجتمع، وتحتاج من يستطيعون الحديث عنها وشرحها والتنظير لها.

ثم إن موقع أبي بكر في عالم المال، لكونه واحدا من مشاهير تجار قريش، يمثل بمصطلح العصر "رجل الأعمال"، وهو بما له من قوة مالية أنفقها كلها في سبيل الدعوة، وتحرير من أسلم من العذاب والرق. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر له مواساته بالمال. وسيبدو واضحا أن عددا من أولئك الأوائل كانوا تجارا: عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف، وجميعهم ممن كانت لهم مواقف مشهودة في نصرة الإسلام بأموالهم. وهذا الجانب أهم من أن نطيل الكلام فيه، فلا تكاد تكون قصة فشل في تاريخنا المعاصر إلا وكانت أزمة التمويل جانبا منها. فالممولون يتحكمون بالمنع والعطاء في التأثير والتوجيه وصناعة الفصائل والحزبيات والأجنحة والانشقاقات، حتى إن الثورات وحركات المقاومة تدفع من دمائها وأرواح شبابها في معارك خاسرة تحت ضغط الأموال.

بقي أن أبا بكر مع هذا كله كان إلفا مألوفا، حسن الخلق.. وإن الناس يحبون القرب من أهل المال وإن كان فيهم كبر وغلظة وجفاء، وكثير من الناس يحبون القرب من أهل العلم وإن كان فيهم كبر وغلظة وجفاء، فكيف إن اجتمع في رجل واحد: العلم والمال مع التواضع واللين وحسن الخلق؟!

تلك الجوانب من شخصية أبي بكر وأثرها في الدعوة ينبغي أن نركز عليها أكثر من التركيز على رقته ورحمته وبكائه حين يقرأ القرآن، فهذه مع أهميتها لكل مسلم إنما تعود على شخصه فحسب، ولم ينتفع الإسلام برقة أبي بكر وبكائه قدر ما انتفع بفهمه لخريطة واقعه وشبكة علاقاته وأمواله. ولا أحسب أن الأمة تعاني من نقص أهل الرحمة والرقة والبكاء قدر ما تعاني من نقص الكفاءة في تلك الثغرات الكبرى الخطيرة.


أراد أبو الحسن الندوي أن ينعي حال الأمة فجعل عنوان كتابه "ردَّةٌ ولا أبا بكر لها"، ولعله لو عاش زماننا هذا واكتشف أن كثيرا ممن بنى آماله عليهم لم يكونوا كما توقع لكتب كتابا آخر فسماه "دعوةٌ ولا أبا بكر فيها"!!