الأربعاء، سبتمبر 20، 2017

أطيعوا ولي الأمر.. واكفروا

قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء: 59]

على تلك الآية يعتمد علماء السلطة وعملاء الشرطة في مهمتهم القبيحة: ترقيع دنيا الملوك والسلاطين بدينهم، رغم أنهم يعلمون أنهم يحرفون كلام الله عن مواضعه، ويستعملونه على غير مراد الله منه، فالآية في حقيقتها ضدهم بل وهي حجة عليهم.

تلك السطور هي بيان لحجم الكذب والإفك والتضليل والفجور الذي يمارسه هؤلاء في تفسير الآية:

1. جاءت الآية في سياق أن تكون الأمة المسلمة هي اليد العليا، لأنها صاحبة الرسالة المكلفة بإقامة العدل في الأرض، ففي الآية التي قبلها يقول الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58]. ولا يمكن للأمة القيام بهذه المهمة لو لم تكن في قوة ونظام ووحدة، أي عليها أن تخرج من طبيعتها العربية القبلية الجاهلية النافرة من نظام يجمعها ومُلك يدبر أمرها وزعيم يقودها. فها هنا جاءت طاعة أولي الأمر لتمنع المسلمين من الارتداد إلى الجاهلية والفرقة والنفور من النظام وإعجاب كل قبيلة بصاحبها. قال ابن تيمية: "فأهل الجاهلية لم يكن لهم رأس يجمعهم، والنبي صلى الله عليه وسلم دائما يأمر بإقامة رأس، حتى أمر بذلك في السفر إذا كانوا ثلاثة، فأمر بالإمارة في أقل عدد وأقصر اجتماع"[1].

فالمقصود من وجود أولي الأمر للأمة هو انتقالها من حال الفرقة والعصبية والتمزق إلى حال الوحدة والقوة، والغاية هي إقامة العدل بين الناس.. فأما مهمة عبيد السلاطين اليوم فهي تعبيد الناس لمن فرقوا وحدة الأمة ومزقوها وجعلوها نهبا لكل طامع، وأنزلوا العدو في أرضها وأنفقوا عليه أموالها وحفظوا له مصالحه من شبابها ودمائها وثرواتها.

2. ليس في الآية "ولي الأمر"، بل فيها "أولي الأمر"، وهذه الصيغة الجمعية تدل على أن خليفة الأمة نفسه ليس له أن يستبد بالأمة ولا أن ينفرد بأمرها لنفسه، فليس مطلق اليد والحكم.. وإنما أمر الأمة منصرف إلى "مجموعة" هم "أولي الأمر".. وللعلماء في تفسير تلك اللفظة كلام طويل، وهل هم الأمراء أم هم العلماء أم هم الأمراء والعلماء معا. والمهم المقصود في سياقنا الآن أن المسألة جمعية لا فردية، وهو ما يناقضه علماء السلاطين الكذابين الذين يجعلون أمر الأمة بيد واحد هو "ولي النعم"! فإن زادوا على ذلك وضعوا معه ابنه، وليس أي ابن، بل هو الابن الذي يعده الملك لوراثة الملك من بعده قهرا وقسرا وبعيدا عن رأي الأمة فيه وفي ابنه.

3. أوضحت الآية أن طاعة أولي الأمر ليست مستقلة ولا مطلقة، إنما هي تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله، فهي محددة باتباعهم منهج الله ورسوله، فقالت الآية "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر"، فلم تجعل لأولي الأمر طاعة مستقلة. فطاعة الله وطاعة رسوله فوق طاعة أولي الأمر وسابقة عليهم، بل الطاعة لهم هي بقدر طاعتهم هم لله ورسوله، وهو ما قاله بجلاء الخليفة الأول أبو بكر في أول خطبة سياسية "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

وقد صرح إمام الحرمين الجويني بأن الأمير "إذا تواصل منه العصيان، وفشا منه العدوان، وظهر الفساد، وزال السداد، وتعطلت الحقوق والحدود، وارتفعت الصيانة، ووضحت الخيانة، واستجرأ الظلمة، ولم يجد المظلوم منتصفا ممن ظلمه، وتداعى الخلل والخطل إلى عظائم الأمور، وتعطل الثغور، فلا بد من استدراك هذا الأمر المتفاقم... وذلك أن الإمامة إنما تعني لنقيض هذه الحالة، فإذا أفضى الأمر إلى خلاف ما تقتضيه الزعامة والإيالة، فيجب استدراكه لا محالة، وتَرْكُ الناس سُدًى ملتطمين مقتحمين لا جامع لهم على الحق والباطل أجدى عليهم من تقريرهم اتباع من هو عون الظالمين وملاذ الغاشين وموئل الهاجمين ومعتصم المارقين الناجمين"[2].

أما عبيد السلاطين فإنهم يحثون الناس على طاعة سلاطينهم ولو قام نظامهم كله على مناقضة الدين وعصيان الله ورسوله، بل ولو كانت سياستهم هي الحرب على الدين وحبس العلماء والصالحين والتمكين للمفسدين والمجرمين. حتى لو منعوهم من الحج لبيت الله الحرام كما فعل عبد الله ملك السعودية ومبارك مع أهل قطاع غزة في 2007، وكما فعل سلمان مع أهل قطر والمقيمين فيها. والأمثلة تطول وتتكاثر ولا تُحصى، وإنما نسوق منها ما هو شديد الوضوح قريب العهد.

4. وتحصر الآية "أولي الأمر" بأنهم من المؤمنين، فلفظ (منكم) يعني أن أولي الأمر هم "من الذين آمنوا"، وبهذا يخرج من وصف أولي الأمر من كان مفروضا على الأمة قهرا وقسرا بغير رغبة منها ولا اختيار، كأن يفرضه الاحتلال الأجنبي العسكري، أو يستمر في موقعه بدعم هذا المحتل.

وسنفهم لفظ (منكم) بشكل أدق حين نتذكر قصة نوح عليه السلام، حين دعا ربه فقال (رب إن ابني من أهلي)، فقال الله له (إنه ليس من أهلك، إنه عمل غير صالح).. ولا تكاد تجد في عالمنا العربي المنكوب من رضي به شعبه وقدموه، إنما حكموا بالقهر وبقوة المحتل، وساروا في نقيض مصالح الأمة وعلى عكس رسالتها ومنهجها، فما أبعد أن يكون هؤلاء "منكم".

وإن عبيد السلاطين قد فجروا إلى الحد الذي أفتى فيه بعضهم بأن (البابا شنودة) إن حكم مصر فهو ولي أمر، وأن بول بريمر الحاكم الأمريكي للعراق هو ولي أمر تجب طاعته!! فما أبعد هؤلاء أن يكونوا داخلين تحت قول الله تعالى (منكم)، إلا أن فجور علماء السلطة لا حد له.
5. والآية نفسها تصرح بحق الأمة في مخالفة أولي الأمر، في قوله تعالى (فإن تنازعتم في شيء)، أي أن للأمة أن تنازع "أولي الأمر" الذين هم "منها"، فلم يصنع الإسلام أمة من العبيد والرعاع والغنم، بل ضمن لهم حق المنازعة والاعتراض والاختلاف، وهو الحق الذي يسبقه حق المراقبة والنقد والتقويم.. وفي الخطبة الأولى للخليفة الأول قال: "إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني".

وقد أجمع علماء السلاطين عند تلاوتهم للآية أن يتوقفوا عند "أولي الأمر"، فلا يُجاوزون الكلام إلى ما يليها مباشرة "فإن تنازعتم في شيء..." وهو شبيه بفعل أحبار اليهود حين يريدون أن يكتموا ما أنزل الله من الكتاب، ولولا أن كتاب الله محفوظ تكفل الله بحفظه، لقام عبيد السلطان هؤلاء بتحريف الكتاب كما قام به أسلافهم واشتروا به ثمنا قليلا.

6. وحين يقع التنازع بين الأمة وبين أولي الأمر فإن جهة الفصل في المنازعة تكون بالعودة إلى المرجعية العليا النهائية: الكتاب والسنة، (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)، ومقتضى هذا أن يكون الفصل بين الحكام والأمة للعلماء، حيث هم العارفون بكتاب الله وسنة رسوله.

(لتقريب الصورة: يشبه الأمر في الدول العلمانية المحكمة الدستورية العليا، الجهة التي تقيم وتفصل في الخلاف بين السلطة والشعب طبقا للدستور، إلا أن الفوارق بين النظام الإسلامي والعلماني ضخمة من أهمها: أن العلماء نبت الأمة لا يستندون في مكانتهم على شهادة من السلطة كما لا تجمعهم منظومة كهنوتية ولا نظامية تُسهل التحكم فيهم وفي قرارهم، كما أن الدستور المكتوب ليس نصا وضعته لجنة في ظرف سياسي ففيه كل عوار عمل البشر وضغط الظرف وإنما هو نص مقدس مطلق لم يكتبه بشر وخُدِم بالتفسير عبر قرون وأجيال وعلى اتساع نصف العالم بما يجعل إمكانية التحريف والانحراف عنه مفضوحة مكشوفة مستنكرة. لمزيد إيضاح للفكرة انظر هنا وهنا وهنا وهنا وهنا).

تلك ست كذبات وتحريفات فاجرة يرتكبها عبيد السلاطين في آية واحدة لا تتجاوز السطرين، مكونة من تسع عشرة كلمة فحسب، لا لغرض إلا لترقيع دنيا سلاطينهم من دينهم هم، فبئس ما يفعلون!





[1] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط1 (الرياض: جامعة الإمام، 1986)، 1/557.
[2] الجويني، الغياثي: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق: د. عبد العظيم الديب، ط1 (جدة: دار المنهاج، 2011م)، ص275، 276.

الجمعة، سبتمبر 15، 2017

اعتقالات السعودية.. ليلة قلم مخنوق

جلست أكتب مقال "مدونات الجزيرة"، يأبى خاطري إلا أن أكتب في عاصفة الظلم التي تجتاح السعودية فترسل بعلمائها ومشايخها إلى الزنازين.. حسنا، فماذا أكتب؟!

اكتُبْ في الذكريات..

ألم تر إلى اليوم الذي رأيت فيه مؤلفات محمد موسى الشريف كأنها تتوالد وتتكاثر؟! لم أشك ذلك اليوم أنه متفرغ تمام التفرغ مع علو همة وبركة في الوقت وقوة في العقل. ثم كان في جولة علمية يوما وافقت البلد الذي كنت فيه، فأمضيت يومي كله أتتبعه من مسجد لمحاضرة لدورة لمجلس، فإذا به يُعطي الدورة في طبقات كتب التاريخ ومؤلفيها على البديهة والسليقة من خاطره دون تحضير ولا مراجعة؟! ثم ظفرت به يوما فسألته على هامش مؤتمر في التاريخ فعرفت أنه ليس متفرغا بل هو طيار في الخطوط السعودية ويمارس عمله ولديه رحلة بعد ساعتين!

ألم تر إلى سلمان العودة؟! أحسبه أفضل من في طبقته في استعمال وسائل وتقنيات الإعلام المعاصر، برنامجه "وسم" حالة فنية متقنة لمحتوى رائق بديع، أتذكر يوم قال في أحدها "العلماء إن لم يسبقوا الناس إلى فتح الباب على وجهه، اقتحمه الناس ثم جرى العلماء يرقعون ما كسروا"! تلك الكلمة على وجازتها خبرة عمر وخلاصة حياة دعوية. كنت أراه يسير في اسطنبول وحيدا منفردا، لم أحاول الاقتراب منه، أشعر كأنه في حالة "وسم" يوشك على تكوين صورة ورسم كلمة، أكتفي بمراقبته حتى يغيب!

علي العمري؟! صاحب واحدة من أنضج التجارب الإعلامية الإسلامية، خصب الذهن سيال الأفكار، رأيته أول مرة صباح يوم السفارة.. ليلة تسلق شاب مصري عمارة السفارة الإسرائيلية فمزق علمها في صيف 2011، سهرت يومها حتى الصباح، وحين كدت أمضي رأيته هناك، لست أدري كان يمر من هنا أم كان يزور المكان الذي شهد واحدة من غرائب الأمور. أتذكر أيضا حين استمعت محاضرة له لأول مرة، كنت وقتها أظنه نموذجا سعوديا للدعاة الجدد مع سمته الشبابي الأنيق، ففوجئت بعلم وخبرة واطلاع واسع، ثم رأيت مؤلفاته أيضا فإذا هي أكثر مما توقعت من رجل ظننت اهتمامه ينحصر في الإعلام!

وليد الهويريني، رأيته أول مرة في مؤتمر "السلفة والوهابية" في قطر، ثم في عدد من المؤتمرات فيما بعد، أمره عجيب.. فيه رقة ودماثة وتهذب وأدب رفيع حتى ليخيل إليك أنه شاب يتلمس طريقه في أول طلب العلم، خفيض النجاح هادئ الصوت رقيق الحاشية، تزور عينك عنه إن لم تكن تعرفه، حتى إن جاء وقت كلامه رأيت تمكنا وسعة واطلاعا. فإن فتحت كتبه كـ "الحراك الفكري السعودي" أو "خارطة الدم" رأيت فوق ما تصورت حين سمعته!

ألم تر إلى ...

يهجم على خاطري: ما حاجة الناس إلى ذكرياتك؟! لا هو أمر ينفعهم ولا يضرهم، ومن تتحدث عنهم أشهر من نار على علم، ولعله لكل قارئ معهم ذكرى لما وُضِع لهم من القبول بين الناس.

أنصرف عن تلك الفكرة وأعود إلى السؤال: فعمَّ أكتب؟!

يخطر لي طيف أن أنشر مقالا في شأن آخر، ومباشرة أجد نفسي تدفع الخاطر وتُنْكره وتنفر منه، تقول: إن لم يكن لديك شعور بالمرحمة بين المؤمنين ودعاتهم، فواجب كلمة الحق، فإن نكصت عن كلمة الحق، فالمروءة.. أناسٌ لقيتهم وكلمتهم واستمعت إليهم ولهم في عنقك حق المودة!!

حسنا.. أستسلم، وأعود فأسأل:
-       ففيم أكتب؟!
-       اكتب في الإنكار على الظالم، في النهي عن المنكر، في بيان سوء الفعل وسوء المنقلب..
-       لا لا، قد كتبت في هذا ما لا أجد في نفسي مزيدا منه، استنفدت طاقتي ومعجمي ومعرفتي في الحديث عن أولئك الحكام وعما يفعلون وعن سوء المصير الذي يسوقون إليه البلاد والعباد.. ثم إنه أمر تكفل به أو سيتكفل أصحاب الأقلام جميعا.
-       حاول
-       لا أستطيع.. ولا أجد في نفسي القدرة على هذا
يأتي السؤال مرة أخرى: ففيم أكتب؟!

لا بأس، لنكتب في شأن من أجرموا وأفسدوا من أهل الصحافة والإعلام السعودي ممن لا زالوا يتمتعون بالأمن والحظوة والوجاهة.. تذكرت على الفور أني رأيت مجلة الفيصل في عددها الأخير قد أعدت ملفا عن الإسلام والعلمانية، كان أول مقالاته لحسن حنفي بعنوان ""العلمانية أسسها في القرآن الكريم"! وبقية عناوين المقالات في نفس السبيل.

ضحكت وقد تذكرت يوما سخر فيه صديق خفيف الظل من دعوات تجديد الإسلام فقال عبارة بديعة: "الإسلام دين وسطي جميل لا يتعارض مع الإلحاد"، فضحكنا وذهبت بيننا مثلا. ها قد تحققت السخرية وصارت واقعا مريرا!!
بل تذكرت ما هو أقسى من هذا، كاتب سعودي يريد تجديد عقيدة محمد بن عبد الله! إنه تركي الحمد أطلق  تغريدة نصها: "جاء رسولنا الكريم ليصحح عقيدة إبراهيم الخليل، وجاء زمن نحتاج فيه إلى من يصحح عقيدة محمد بن عبدالله"!!

ثم اندفع من أعماق الذاكرة ما نشرته صحيفة الرياض قبل ثلاثة عشر سنة حين أكتب أحمد الجميعة مقالا جاء فيه "لم يخرج فكر التكفير إلى الوجود بغتة بل إن له جذوراً وسوابق في التاريخ الإسلامي ولعل أول وأهم واقعة تاريخية عبرت عن ميلاد فكرة التكفير في الإسلام هي "حروب الردة" التي خاضها الخليفة أبوبكر الصديق في مطلع عهده" ثم قال بعد ذلك: وبذلك تكون "حروب الردة" أول بيان رسمي يعلن ميلاد أيديولوجيا التكفير".

عند هذا الحد صار الأمر مثيرا للاشمئزاز، وبدا لي لمرة أخرى أنه أسلوب قديم، فالحرب التي أطلقها بوش على الإرهاب قبل ستة عشر عاما أثمرت في السعودية أمرا هائلا، ليس ثمة من يغفل عنه أو يتعجب منه، قد غُزِي الإسلام في عقر داره، فعاد الإلحاد ومعه من يريد تصحيح عقيدة محمد رسول الله ومن يرى أبا بكر وصحابة النبي تكفيريين.

خطر لي أن أجعل المقال اقتباسات من مؤلفات المشايخ المحبوسين، فقرات من تفسير الطريفي أو تغريداته الذكية الملهمة، أو معنى بديع صاغه العقل الألمعي والقلم المدهش إبراهيم السكران، أو فنا من فنون القول ابتكره سلمان العودة بأسلوبه الرشيق الرقيق المتظرف، أو درسا تاريخيا استخلصه موسى الشريف، أو عبارة من قواعد الحياة الأربعين وشرحها لعلي العمري..

هممت بهذا وشرعت في الاختيار، أمسكت بتفسير الطريفي، وذهبت إلى سورة البقرة، فتذكرت أن أول حكم في كتاب الله هو حكم الخلافة عند قوله (إني جاعل في الأرض خليفة)، فأمسكتُ من فوري.. قد عرفتُ من نفسي أن اختياراتي من أقوالهم قد تكون عليهم لا لهم، فالحسنات في ميزان الأمة سيئات وخطايا في ميزان أجهزة الأمن.. فكففتُ القلم!

حقا.. لم أجد ما أكتبه، واختنق القلم في يدي كاختناق النفس في صدري!

فكتبت قصة القلم المخنوق.. وهو مقال في فن الهروب من المقال! وأسلوبٌ سخرتُ ممن صنعه يوما فقد ابْتُليت به.
على أن ها هنا كلمة لا بد من قولها:

إن الفتنة في بلاد الحرمين ليست كغيرها.. الساقطون فيها ليسوا صحفيين تصنعوا الشجاعة ولا ممثلين تصنعوا الرسالة ولا معارضة تصنعت المعارضة. بل شيوخ وقراء وعلماء فتحت لهم العيون والقلوب والأسماع!

فيا لها من فتنة السقوط فيها مريع ومروع، أسيف ومؤسف، هلكة ومهلكة..

قضى الله على عباده بالفتنة ليبلوهم، فلا يدخل الجنة إلا من أثبت أن الله أكبر في قلبه من الدنيا وسلاطينها!


والساكتون اليوم هم ضحايا الغد! فإن الفراعين لا تقبل معها آلهة ولا رأيا، وقد قال من ضربه الله لنا مثلا في الفرعونية (ما علمتُ لكم من إله غيري)، وقال (ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد).

الخميس، سبتمبر 14، 2017

حركة المقاومة الإسلامية المصرية عبر قرن

يلخص شادي حميد، أحد أبرز الوجوه الغربية في مجال بحث الحركات الإسلامية، الأزمة القائمة في العالم الإسلامي بقوله: "المشروع الأساسي للحركات الإسلامية السائدة، إن أمكن تلخيصه في جملة واحدة، هو السعي للتوفيق بين الشريعة الإسلامية والدولة القومية الحديثة. مهما تعددت الطرق، وفي أغلب الأحيان حصدت "الدولة" النتائج الأفضل في تلك العلاقة. ذلك أن نمط بناء الدولة الحديثة والبيئة الدولية المتمركزة عليه والداعمة له، لهما أثر علماني متأصل في المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وهو ما يضغط على الحركات الإسلامية لتحد من طموحاتها الدينية الدافعة إلى حد لم يكن ليخطر بالبال فيما قبل الدولة الحديثة، مما يقود إلى درجة خطيرة من التوتر بين المجتمعات المسلمة التي لا تزال إلى حد كبير متدينة ومحافظة"[1].

كانت أول حركة مقاومة واجهت هذا الوضع الضاغط العنيف هي حركة مصطفى كامل زعيم الحزب الوطني والتي انتهت عمليا مطلع العقد الثاني من القرن الماضي، ثم جاءت حركة الإخوان المسلمين فعملت على تلك المقاومة حتى انتهت تماما منتصف الستينات ومن بعدها تحولت إلى جماعة إصلاحية لا مُقاوِمة، ثم ظهرت محاولات الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد منذ نهاية السبعينات حتى انتهائها بمنتصف التسعينات.

بين كل تلك الحركات خيط ناظم واضح ظاهر، هو من أثر الواقع الضاغط نفسه الذي فرضه وجود مؤسسات سلطوية متحكمة في البشر والموارد تمارس تعبيد الناس للسلطة المحتلة والمستبدة، ذلك الخيط هو أن جميع تلك الحركات تؤول فكرتها الإصلاحية إلى حل واحد: حركة مقاومة تقود انقلابا عسكريا مدعوما بالجماهير العريضة التي عملت على تجهيزها حركة دعوية مدنية!

1. من المشهور ما قام به مصطفى كامل من المجهود المدني والسياسي في الخطابة والصحافة والسياسة ونشر القضية، وأقل منه شهرة عمله الواسع في إنشاء النقابات وتفعيل دور المدارس والتغلغل إلى الاتحادات العمالية وإنشاء المشاريع الاقتصادية، وأما المغمور تماما فهو نشاطه السري العسكري في إنشاء خلايا تقاوم الاحتلال وتمارس الكفاح المسلح والتي وصلت إلى اغتيال رئيس الوزراء الخائن بطرس غالي (جد بطرس غالي الأمين العام للأمم المتحدة، المتوفي العام الماضي)، وهو الاغتيال الذي نبه الاحتلال الإنجليزي وكان من آثاره إنشاء جهاز الأمن السياسي (= البوليس السياسي، أمن الدولة، الأمن الوطني)، والذي اكتشف وجود نحو ثمانين تنظيما سريا في مصر[2].

لقد كان الحزب الوطني أول حركة مقاومة تنتبه إلى أن الوضع قد تغير، ولم يعد مجرد المقاومة العسكرية يجدي، وإنما لا بد من مقاومة نمط الدولة المفروض بمؤسساتها، فمن ثم لا بد من وجود أجهزة وعي وتوجيه وروابط اقتصادية ونقابية، فضلا عن التنظيمات السرية. ويبدو واضحا أن الخطة النهائية ستفضي إلى مقاومة مسلحة مدعومة بجماهير مدنية فضلا عن الدعم السياسي من الخليفة العثماني (عبد الحميد الثاني) والذي كانت علاقته ممتازة بمصطفى كامل.

من المؤسف أن المجهود الكبير ضاع بضربة أمنية من بعد عام 1910، عملت تلك الضربة الأمنية على إزالة القيادات (بالسجن أو النفي) وتفكيك خلايا المقاومة، مما جعل الطاقة الثورية تتشتت في واحدة من اللحظات الذهبية التي يندر تكرارها. وسنرى أن أسلوب "الضربة الأمنية" هو الأسلوب الذي نجح منذ تلك اللحظة وحتى وقتنا هذا في إنهاء أي حركة مقاومة.

2. أما الإخوان المسلمون بزعامة الشهيد حسن البنا فقد انبعثوا في ثلاثينات القرن العشرين، وما إن جاءت الأربعينات حتى كانت الجماعة قد انقسمت على الحقيقة إلى كيان دعوي علني جماهيري طبقا لقانون الاحتلال، وكيان آخر سري أمني وعسكري هو "النظام الخاص"، وبينما يعمل الكيان العلني الدعوي على تجهيز الجماهير المدنية، يعمل النظام الخاص على جمع المعلومات والتدريب العسكري.

من الطبيعي أن يحيط بعض الغموض بمشروع حسن البنا التغييري، فمرحلة "التنفيذ" لم يفصح عنها، وهو أمر مفهوم، لكن مجمل ما نراه من هذا التركيب التنظيمي يفيد أن البنا كان يسعى إلى انقلاب عسكري عبر النظام الخاص تدعمه الجماهير المدنية المؤمنة بدعوة الإخوان المسلمين، خصوصا وأن البنا لم يكن يرى أن الثورات طريق صحيح للتغيير كما صرح بهذا، وكان يرى أنها تسيل كثيرا من الدماء دون نتائج مكافئة بالضرورة.

لكن المشكلة التي واجهت البنا كان إنشاء إسرائيل، لقد دفعته تلك الضرورة إلى الكشف عن قوته، فأخرج المتطوعين إلى حرب فلسطين، ثم كُشف شأن التنظيم عبر قضية السيارة الجيب، وقبلها كُشف دعمه لثورة اليمن وأنه ضالع فيها، فهنا صار الإخوان مستهدفون إقليميا (من النظم الملكية التي تخشى الثورات) ودوليا (من القوى التي تؤسس وتحمي إسرائيل)، وكانت الضربة الأمنية الكبيرة باغتيال البنا وتعقب تنظيمه، وقد نجحت تلك الضربة في إنهاء النظام الخاص على الحقيقة، وعاشت الجماعة فترة من الزمن في فوضى وتضارب بلا مرشد ولا قيادة، ثم تولى أمرها حسن الهضيبي وجرى ما هو معروف بينه وبين النظام الخاص لينتهي الحال بضربة أمنية أشد وأقسى على يد عبد الناصر الذي مثَّل أقوى اختراق لصفوف الجماعة وسيطر على أعضاء تنظيم الجيش. ولما حاول شباب الإخوان ممن لم يدركوا أزمة 1954 تكرار المحاولة وقعت بعض الاحداث التي أدت لانكشاف المحاولة أمنيا فجاءت ضربة أقوى في 1965، ومن ساعتها لم يفكر الإخوان في الصدام مع النظام في مصر.

3. عند نهاية السبعينات جرت محاولات انقلابية أشبه بالمتسرعة والطائشة كحادث الفنية العسكرية، لكن تنظيمي "الجماعة الإسلامية" و"جماعة الجهاد" المتكونان في تلك الفترة اعتنقوا نفس الفكرة المضطردة: العصبة المسلحة التي تنفذ انقلابا عسكريا مدعوما بجماهير قد تجهزت وتأهلت من خلال الخطاب والحركة الدعوية.. فقد عمل التنظيمان على نفس تلك الخطة، وهو أمر سمعته من شهود عيان تلك المرحلة، إلا أن الجماعة الإسلامية كانت أقوى في باب العمل الدعوي العلني، بينما عمل تنظيم الجهاد بشكل أكبر في اختراق الجيش لتكوين العصبة المسلحة التي ستنفذ الانقلاب العسكري.

مثلما كانت حرب 1948 دخولا مفاجئا على خطة البنا أربكت حساباته واضطرته للتدخل السريع وكشف قوته، كانت اعتقالات السادات 1981 دخولا مفاجئا على خط "الجماعة الإسلامية"، لقد ظن الجميع أن اعتقالات السادات ستكرر تجربة عبد الناصر حيث الإعدامات بالجملة والسجن لمدة ربع القرن، فتسارعت وتيرة اغتيال السادات ومحاولة السيطرة على مبنى الإذاعة والتلفزيون ومديريات الأمن، وهو ما لم ينجح منه إلا مسألة الاغتيال وحدها، لتدخل تلك الحالة في صراع مع الدولة قبل أن تتجهز له لا مدنيا ولا عسكريا.

وبضربة أمنية أمكن مطاردة عناصر الجماعة الإسلامية، ولم يكن أمرا صعبا لأنها في المجمل جماعة علنية دعوية، ثم بخطأ أمني أمكن اكتشاف تنظيم الجهاد وتتبع أفراده وإجهاض خططه بداية التسعينات!

ومن تلك الفترة لم تظهر حركة مقاومة في مصر، إلا البذور والبدايات الصغيرة التي ظهرت بعد الانقلاب العسكري (2013)، وهي تجربة لم تكد تبدأ بعد!

المشكلة الواضحة في كل هذا المسار أن أيا من تلك الحركات لم يمتلك جهازا أمنيا قويا يجمع المعلومات ويحللها ليعرف ويفهم تركيبة النظام ومفاصله وشخصياته المؤثرة، حتى "النظام الخاص" للإخوان المسلمين كان خليطا من الجهاز الأمني والجهاز العسكري، وهو الخلط الذي لا يصح بحال، لأن التفكير الأمني مناقض للتفكير العسكري في العديد من النقاط والمستويات. وغاية ما كان لدى تلك الحركات ما يشبه جهاز الاستطلاع الذي يحصل على معلومات بدائية سريعة لتنفيذ عملية صغير.

ولعل تلك النقطة هي أكثر النقاط التي تحتاج إلى مراجعة وتقويم في مرحلتنا المعاصرة.

كانت كونداليزا رايس المتخصصة في الإدارة واحدة من المسؤولين عن إعادة هيكلة الأجهزة الأمريكية بعد انتهاء الحرب الباردة لتناسب متطلبات الوضع الجديد بعد اختفاء العدو القوي وتغير طبيعة العالم، فضلا عن التغير الهائل الذي حصل في أجهزة الأمن والاستخبارات الغربية (الأوروبية والأمريكية) بعد نهاية الحرب الباردة لتواجه العدو الجديد كما حددوه (الإرهاب، الجريمة المنظمة)، وقد استدعى هذا التغير تغيرا هائلا في الوسائل والوظائف والمهام، وتخلت فيه الأجهزة عن جيش من الجواسيس لتجند آخرين، بل وتخلت عن قسم عظيم من التجسس البشري لحساب استخدام التقنيات الحديثة[3] وما استتبع كل هذا من تغيير قوانين ودمج أجهزة وأقسام وإنشاء غيرها.

كادت المعركة في العالم الآن أن تكون معركة أمنية، وتقنية، ثم بعدها بفارق واضح: معركة عسكرية!



[1] Shadi Hamid and Rashid Dar, Islamism, Salafism, and jihadism: A primer, (Brookings, July 15, 2016).
[2] يراجع في الكفاح المسلح للحزب الوطني كتاب د. عصام ضياء الدين السيد "الحزب الوطني والنضال السري 1907 – 1915"، وقد صدر عام 1987 عن "الهيئة المصرية العامة للكتاب" ضمن سلسلة "تاريخ المصريين".
[3] انظر مثلا كتاب "أسياد الجواسيس الجدد" لستيفن جراي.

الجمعة، سبتمبر 08، 2017

سيد قطب.. كيف لا يزال حيا؟!

ليس من جهة في العالم الآن تتبنى شيئا من إرث سيد قطب رحمه الله، إن سوط "دعم الإرهاب" مرفوع، وهو سوط لا يرحم، وكل جهة أو مؤسسة أو جماعة تود أن تعيش ولا تحب المشاكل!

ومع هذا فعند حلول ذكرى استشهاد سيد قطب تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بإحياء ذكراه ونشر مقولاته، وهو ما يسحب بعضا من وسائل الإعلام لمجاراة العمل الذي بدأه الشباب بلا ترتيب ولا تنظيم، فربما صنعت قناة تقريرا وسمحت أخرى بمداخلة هاتفية ونشرت أخرى اقتباسا، أمرٌ خجول لإبراء الذمة وذر الرماد في العيون! أمرٌ لا يليق بحال برجل من الوزن الفكري الثقيل، رجل اهتز له العالم الإسلامي يوم إعدامه، ورجل طوردت كتبه وأفكاره ولا تزيد مع الأيام إلا تألقا ولمعانا وحضورا!

ليس أقوى من فكرة حان وقتها، هكذا قال فيكتور هوجو!

والفكرة التي رددها الشهيد في كتاباته لا تزال متوهجة قوية لأن المأزق الذي قيلت فيه لا يزال قائما، الواقع أن العالم الإسلامي لا يزال يعاني تلك الأثقال الغربية التي تجعله محكوما مقهورا بأفكار مفروضة عليه، تنفذها سلطات مفروضة عليه أيضا! ولذلك فكل فكرة تؤصل للمقاومة ستظل متألقة متوهجة مثيرة للعواطف ملهبة للمشاعر!

وأعظم الأفكار قاطبة هي الأفكار الخالدة.. وليس ثمة شيء خلد ويخلد وسيخلد كالقرآن الكريم، كتابٌ تعهد الله بحفظه وصيانته، فلم يطرأ عليه تغير في حرف، ولم تستطع محاولة واحدة تثبيت تأويل منحرف لآياته! وهو كتاب انطلقت منه أمة وبُنيت عليه حضارة، وصار محميا بجيوش من العلماء والمفسرين الذين تتبعوا كل كلماته وحروفه بالتفسير والعناية والخدمة، وبعد هذا كله فلا يزال القرآن جديدا غضا طريا يأخذ منه الناس لأزمانهم كأنما نزل فيها!

وتلك قيمة سيد قطب: الرجل القرآني المجاهد!

إن كتاب الظلال ليس مجرد تفسير، ولا هي خواطر مفكر أديب كتبها عند شاطئ البحر أو في كهفه العلمي، إنه دستور المقاومة الكبير.. المقاومة المنطلقة من القرآن، المعتمدة عليه، المهتدية به!

ولذلك كان "الظلال" عدوا للاحتلال والاستبداد، وطاقة نور ولهب للأمة المقاومة المجاهدة.

إن لفظ "الحاكمية" الذي استعمله سيد قطب يعبر عن ذات المعنى الذي تقصده وتدور حوله ألفاظ "السيادة" و"مصدرية المعرفة" و"النطاق المركزي" و"المرجعية النهائية" و"المبدأ الواحد" و"المركز" في كتب الفلسفة والعلوم السياسية، إلا أنه ولكونه "لفظا قرآنيا" يجد طريقه مباشرة إلى قلب وعقل المسلم الذي لا يفهم طنطنات الفلاسفة والمتفلسفين. إن كل من ينادي بتطبيق الشريعة للخروج من "الجاهلية" يمثل مصدر خطر حقيقي على الأنظمة المستبدة وعلى نظام الطغيان العالمي رغم أنه لا يُدرك في أغلب الأحيان المعاني السياسية والحضارية الكبرى الكامنة خلف مطلبه البسيط "تطبيق الشريعة"!

إن المنادي بتطبيق الشريعة يريد الهرب من حالة "الجاهلية"، وهو المصطلح القرآني الآخر الذي أحياه سيد قطب ضمن مشروعه الفكري، ليعبر به عن حجم الانحراف الذي ينبغي على الأمة أن تواجهه وتنجو منه. لم يكن لسيد قطب أن يصل إلى هذا المعنى الواضح الذي يفهمه كل مسلم بسرعة ويسر لو استعمل أي لفظ آخر مما يكثر في كتب الفلسفة والعلوم السياسية. إن مصطلح "الدولة القومية الحديثة" يبدو كمصطلح ظريف لطيف يستتبع آلاف المقالات والكتابات في تحليله ووصفه وتكييفه شرعا.. بينما هو على الحقيقة مظهر من مظاهر "الجاهلية"، فالدولة التي هي مرجعية نفسها نقيض واضح للدولة الإسلامية التي مرجعيتها الإسلام!

لقد كتب مئات المستشرقين والمسلمين في إثبات تناقض نموذجي "الدولة الإسلامية" مع "الدولة القومية الحديثة"، لكن ليس ثمة كتاب منها كان قادرا على توصيل معنى التناقض للمسلم البسيط بيسر وسهولة كما يُستعمل لفظ "الجاهلية" في مقابل "الحاكمية" عند تفسير قوله تعالى (أفحكم الجاهلية يبغون؟! ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون). وسيظل الخطاب الإسلامي نخبويا ما ابتعد عن المعجم القرآني، وهذا داء كثير ممن يوصفون بالنخبة الإسلامية.. يقولون كلاما يفهمه أعداؤهم أكثر مما يفهمه أنصارهم لابتعادهم عن ألفاظ القرآن.

ما كان لسيد قطب أن يسطر الظلال على هذه الشاكلة لولا أنه رجل حركة وعمل، رجل يعيش المعركة في واقعه ولا ينظر إليها بمنظار الفلاسفة أو من ثقوب الكهف العلمي، ولذلك ظل كتابه يحمل حرارة الأنفاس وغبار اللقاء ولهيب الاحتدام وصلصلة السيوف وقسوة المعاناة، وهو لهذا كتابٌ يستريح إليه وينهل منه كل مسلم يحمل هم الأمة ويعاني في معركتها. فيم لم تلق تفاسير المشايخ التي طُبعت بأموال الدول ولا عشر معشار ما لقيه "الظلال" من الحفاوة والدوام.

ولقد أثر القرآن في سيد قطب تأثيرا آخر، فالقرآن كتاب الأمة، وهو ليس كتاب مقاومة وجهاد فحسب، إنما هو منهج شامل ومنظومة كبرى، فلو أن سيد قطب عاش المعركة بعيدا عن القرآن واكتفى –مثلا- بكتب فقه الجهاد والتشويق له لما بلغ ما بلغ، لقد أعطاه القرآن اتساع النظرة وشمول الرؤية.. فمفسر القرآن ملزم أن يتأمل في آيات العبادات والمعاملات والمواريث والأخلاق والتاريخ والمخلوقات، وكل هذا فرع عن "التوحيد": أصل الإسلام كله. ومن هنا اتسعت رؤية الشهيد في فهم نظام الإسلام، وإدراج الفروع تحت الأصول، وإدراج الأصول تحت الأصل الأكبر: التوحيد. فكان الظلال مشروعا فكريا حضاريا كبيرا.

وإن عقل الشهيد في فهم القرآن عقل جبار حقا، ولا يوازي عقله إلا أصالة قلمه.. لقد كان واحدا ممن جمع بين الحسنيين: قوة الفكرة وجمال القلم، ونادرا ما يجتمعان! ومن قرأ رائعته المدهشة "التصوير الفني في القرآن" رأى في القرآن جمالا غير مسبوق، وانفتح له من أبواب تذوق الآيات وفهمها ما لم يكن يدريه ولا يخطر له على بال.

قرأت في الظلال زمن المراهقة فكان يبهرني الأدب ولا يبلغ عقلي فهم الفكرة، أو قل: أفهم الفكرة البسيطة الساذجة في ظاهرها، قبل أن تمر السنين فيستطيع المرء أن يفهم الفكرة في سياقها وفي دلالاتها وضمن المشروع الكلي للشهيد.. ولذلك فلو غضضنا الطرف عن أفكار الشهيد في الظلال فسيظل الكتاب بنفسه تفسيرا غير مسبوق ولا مثيل له في بابه.. يستمتع به حتى من لم تعجبه الفكرة!

أما تهمة "تكفير المجتمعات" فتهمة لا أشغل نفسي بالرد عليها، فأحسن أحوالها أن تكون "قراءة فقهية لنص أدبي"، وأسوأ أحوالها أن تكون قراءة علمانية غرضها تشويه سيد قطب لا صيانة الإسلام من الغلو. ثم إن "المدونة الفقهية" التي اعتمدت عليها التيارات الغالية ليس من نتاج سيد قطب بحال، بل من نتاج من لا يُتهمون في العلم والفقه! ولم يكن سيد قطب فقيها ولا كانت ألفاظه ألفاظ الفقهاء، وما ضر صلاح الدين أن يصفه أبو شامة بأنه كان يتكلم في الفقه لكن بغير ألفاظ الفقهاء.

سيد قطب.. احتضنته الأمة وجرَّمتْه الأنظمة! والأمة أبقى من الأنظمة، والحر مُمْتَحَنٌ بأولاد الزنا!

الأربعاء، سبتمبر 06، 2017

لهذا فشلت الثورة العرابية

كانت الثورة العرابية أخطر تهديد لنظام الدولة الحديثة العلمانية التي أسسها محمد علي باشا، تلك الدولة التي حطمت نظام المجتمع الإسلامي وأنشأت نظاما استبداديا قاهرا على نمط فرعوني جديد تتحول فيه السلطة لغول يستولي ويستعبد كل ما في البلاد من بشر وموارد.

الأدهى والأمر أن نظام محمد علي تأسس على يد نخبة من الأجانب، فلقد كانوا سادة البلاد وأصحاب الأمر والنهي فيها، وقد استكثر محمد علي في بلاطه من اليهود والنصارى كما لم يفعل حاكم في كل التاريخ الإسلامي، وهو الأمر الذي استمر واستقر من بعده بأفحش وأشنع مما كان في وقته، حتى وصل الحال في عصر الخديوي إسماعيل إلى أن كان الأجانب هم سادة كل مؤسسات البلد المهمة من الجيش وحتى البريد، وصار لهم وزارتان في الحكومة المصرية: المالية والعمل (الأشغال)، وكان النظام القانوني في مصر يجعل الأجانب سادة حتى على الخديوي نفسه، وتستطيع محكمة أجنبية أن تقضي بحجز أموال الخديوي ومنعه من التصرف فيها.

كانت مصر كنزا يسيل في جيوب الأجانب، حتى إن الشحاذ في أوروبا كان يلقي بنفسه في المركب (هجرة غير شرعية!) ليصل إلى مصر، فيجد النظم والقوانين والقنصليات والحماية الأجنبية توفر له كل عوامل الغنى والثراء ونهب الموارد المصرية. ولهذا فقد كان النظام في مصر محققا للمصالح الأجنبية كما لم يكن نظام آخر، وهذا بغير تكلفة الاحتلال العسكري المباشر.

كان من نتائج هذا الوضع وجود سخط شعبي عارم جعل حركة تململ محدودة في الجيش تتحول من فورها إلى ثورة شعبية كبيرة، وكان من نتائجه أيضا أن يصير تغيير النظام في مصر مشكلة دولية لا محلية، تتحرك لها البوارج والقوات الأجنبية، وتتفق عليها القوى الاستعمارية رغم اختلافهم الواسع فيما سوى ذلك من المصالح.

حاولت القوى الاستعمارية نزع فتيل الثورة بتغيير رأس النظام (الخديوي إسماعيل) فعُزِل الخديوي الذي التقت على عزله رغبات جميع الأطراف: الشعب والنخب المتذمرة، القوى الأجنبية للحفاظ على النظام واستباق الثورة، السلطان العثماني (عبد الحميد الثاني) الذي يحاول استعادة سلطانه على مصر ومقاومة التغلغل الأجنبي.

جاء ابنه الخديوي توفيق فسعى في تصفية الثورة ضمن إجراءات التغيير، فنفى أبرز رموز الحراك الثوري: جمال الدين الأفغاني بعملية سرية سريعة بمنتصف الليل، وترأس بنفسه الحكومة ليغل يد البرلمان عن محاسبتها، وجاء بحكومة يقودها القانوني الإصلاحي "محمد شريف باشا" الملقب بـ "أبو الدستور المصري"، وأجرى تعديلات في ألوية الجيش ليبعد بها ألوية عرابي ورفيقيه عن القاهرة، ثم حاول القبض على عرابي ورفاقه لولا أنهم انتبهوا. على مسار آخر سعى محمد شريف باشا إلى تصفية قوة عرابي وإلى غل يد البرلمان، وإلى الاستجابة للضغوط الإنجليزية الفرنسية "لسحب الذرائع وتفويت الفرصة"، مما أشعل مواجهة بين الحكومة الإصلاحية والقوى الثورية اضطرت معها الحكومة إلى الاستقالة وأعقبتها حكومة ثورية بقيادة محمود سامي البارودي وكان عرابي هو وزير الحربية فيها.

هنا بدا أن الأمر سينفلت وأن نظام محمد علي على وشك السقوط، ودعم السلطان العثماني تلك الحركة بكل قوته، وأنعم على عرابي برتبة الباشا، وكانت له معه مراسلات سرية أبدى فيها موافقته على إنهاء نظام أسرة محمد علي، وتلك هي الشرعية الكبرى التي حازتها الثورة العرابية، كذلك فقد ألقى السلطان عبد الحميد بكل ثقله السياسي لمحاولة منع الإنجليز من احتلال مصر في مؤتمر القسطنطينية، إلا أنه لم ينجح، واستطاع الإنجليز بتفاهم مع الحكومات الغربية أن ينزلوا لاحتلال مصر بذريعة أن الأجانب في خطر وأن عرابي مثير للقلاقل والأزمات فوق أنه يمارس إجراءات عدوانية "تحصين ساحل الإسكندرية"!

لسنا هنا بإزاء حكاية الثورة العرابية ولكن لحكاية: كيف فشلت تلك الثورة التي اجتمع لها كثير من عوامل النجاح.
الواقع أنه يمكن تلخيص هذا الفشل في سبب رئيسي كبير هو: العقلية العسكرية لأحمد عرابي.

كان عرابي ثمرة من نظام الجندية الذي بدأ في عصر محمد علي، الجيش النظامي الرسمي المتدرب على طاعة الأوامر والمتشرب للتقاليد العسكرية الغربية التي بدأت بالجنرال الفرنسي سيف (سليمان باشا الفرنساوي) واستمرت مع بقية القيادات الفرنسية والأمريكية والإيطالية التي توالت وانتشرت في المراتب العليا للجيش المصري.

لقد كان عرابي متدينا، لكنه لم يتشرب الجندية الإسلامية بل تشرب الجندية الغربية، وقد أدى هذا لثلاث مشكلات عظيمة صنعت بمجموعها فشل الثورة العرابية.

1. الإيمان بالقانون الدولي

كانت الخطة البريطانية لاحتلال مصر هي الهجوم عليها من ناحيتين؛ الأولى: من الإسكندرية عبر البحر المتوسط بضربها بالمدافع المحمولة على السفن البحرية والتي لا تستطيع المدافع المصرية أن تصل إلى مداها، ثم إنزال القوات البرية لتسير إلى القاهرة. والثانية: عبر البحر الأحمر عند السويس حيث تأتي القوات الإنجليزية من الهند والخليج لتدخل البحر الأحمر ثم إلى قناة السويس ثم تنزل برا إلى القاهرة.

فكر عرابي تلقائيا في ردم قناة السويس، وهو التفكير الحربي المنطقي والطبيعي ليمنع رسو السفن الحربية وإنزال القوات الإنجليزية، وهنا تصدى له ديليسبس صاحب شركة القناة، وأحد المجرمين العتاة الكبار في تاريخ مصر، وأقنعه بكل وسائل الإقناع: الرغبة والرهبة أن القناة ممر ملاحي دولي محايد لا يمكن لبريطانيا خرق القانون الدولي واستعماله للأغراض الحربية، وأنه هو –أي ديليسبس- لا يمكن أن يسمح بهذا، ومن ورائه فرنسا.

إيمان عرابي بالقانون الدولي والشرعية الدولية وما إلى ذلك منعه من ردم القناة.. وهو المسار الذي دخلت منه القوات البريطانية، ومنه أوقعت بالجيش المصري هزيمة التل الكبير المشهورة، والتي كانت بداية الاحتلال. أما في الجهة التي حصنها عرابي ووضع فيها القوات المصرية فقد استطاع أن ينزل هزيمة كبيرة بالقوات البريطانية عند كفر الدوار. ولو لم تجد القوات البريطانية ممر قناة السويس لماتوا جوعا وعطشا وما استطاعوا إنزل قواتهم في الصحراء الشرقية والتعرض لمهالكها.

أما ديليسبس فقد أرسل برقية إلى عرابي يتأسف فيها أن بريطانيا خرقت القانون الدولي وأن لعرابي أن يفعل الآن ما يشاء!!

يوما ما حين تنتهي دولة محمد علي العلمانية العسكرية سينصب المصريون تمثالا لديليسبس لرجمه، بل ولجمعوا مئات أو آلاف التريليونات من فرنسا للتعويض عما أجرمه في حق بلادنا بدعم وتواطأ حكومته.

2. الإيمان بمؤسسات الدولة

بين بداية بواكير الثورة وبين وقوع الاحتلال الإنجليزي ست سنوات، وبين بداية تولي وزارة الثورة وبين احتلال القاهرة سبعة أشهر (من فبراير – سبتمبر 1882م)، وطوال الوقت لم يتخذ عرابي وسيلة للاستفادة من قوات المتطوعين القادمين للجهاد معه في سياق الثورة أو في سياق مقاومة الاحتلال الإنجليزي!

لقد اعتمد عرابي على "مؤسسة الجيش" النظامي، وهو ما جعل طاقة ضخمة من الشعب محذوفة من المعركة، لا هي تدري كيف تساعد، ولا القيادة تفكر في الاستعانة بها، وهو ما انعكس بقوة على نتائج المعركة التي انتهت بالاحتلال الإنجليزي.

إن فكرة تسليح الشعب كانت حاضرة بقوة طوال تاريخنا الإسلامي، حيث كانت الشعوب بطبيعتها مسلحة، لكن منذ أن حرم محمد علي على الناس حمل السلاح خرج الشعب من المعركة وصار عبدا للاستبداد ثم للاحتلال، كالأسير الأعزل بين يدي السجان المسلح! وقد كان ممكنا لفكرة مثل تسليح الشعب أن تغير ميزان القوى كله لتجعل طاقة المقاومة أضعاف أضعاف ما يستطيعه الجيش النظامي.

لكن عرابي الذي تربى في جيش الدولة النظامي لم يكن بالذي تخطر برأسه مثل تلك الأفكار المناقضة لطبيعة الدولة الحديثة ومنهجها، فلم يكن في المواجهة إلا الجيش وحده بينما الجماهير لم تملك إلا مقاعد المتفرجين والمشجعين.. وقديما كان الجيش الرسمي إن هزم بدأت المقاومة الشعبية، أما منذ محمد علي وحتى اللحظة فإن هزيمة الجيش الرسمي تعني سقوط البلد كلها في قبضة الاحتلال، وهو ما كان!

3. الإيمان بالتقاليد العسكرية

حين هُزِم جيش عرابي المأخوذ على حين غرة في التل الكبير تصرف أحمد عرابي كعسكري مهزوم لا كقائد ثورة.

والتقاليد العسكرية التي شربها عرابي في جيش محمد علي تدفع بالقائد المهزوم إلى تسليم نفسه للمنتصر، متوقعا من الطرف المنتصر أن يتعامل معه كقائد مهزوم، بينما التقاليد الإسلامية بل ودوافع الفطرة الطبيعية إن لم تتلوث تقضي على القائد المهزوم أن يتحول إلى قائد مقاومة سرية تستحث كل ما من شأنه إشعال الأرض تحت أقدام العدو الغاصب.

ولقد كان بالإمكان إن لم يستسلم عرابي أن تواصل المناطق المنتفضة والتي استعدت للمقاومة نضالها، وهو الأمر الذي تحطم بتسليم عرابي لنفسه، فانتهى حلم المقاومة السرية. ومن جهتهم سعى الإنجليز من لحظة الاحتلال الأولى إلى تسريح الجيش المصري وإبقاء قوة صغيرة لا تسمن ولا تغني من جوع، وهي إن استخدمت فإنما ستكون كقوة "مكافحة الإرهاب" لا غير.

هكذا فشلت الثورة العرابية..

فشلت بالقناعات والأفكار قبل أن تفشل لأسباب القوة والحرب، وبدأ عصر الإنجليز.


وهكذا تجرع المصريون جميعا ولسبعين سنة ثمار الإيمان بالقانون الدولي، والإيمان بمؤسسات الدولة، والإيمان بالأعراف والتقاليد العسكرية.. والمؤسف أن من لا يُتَهمون في شرف ووطنية لا زالوا يؤمنون بتلك الثلاثية التي أوردتنا المهالك والمجازر والمذابح، وألقت ببلادنا في يد الإنجليز قديما، وفي يد الصهاينة والأمريكان اليوم!

نشرت في مجلة كلمة حق