الجمعة، يوليو 29، 2016

صعوبات دراسة الحضارة الغربية (2) السيولة والغزارة

لماذا لم تستطع شعوبنا إخراج خبراء في الحضارة الغربية عبر جامعاتها أو مراكزها البحثية؟

ثمة العديد من الصعوبات التي تحول دون هذا، ولكن جماعها – فيما نرى – أربعة:
·       السيولة واختفاء المقدس في الفكر الغربي
·       غزارة الإنتاج الغربي وانتشاره في كثير من اللغات
·       سمة السرعة التي تميز العصر والتي تؤثر على العلوم بما يجعلها أسرع إلى التفرع والانقسام.
وكنا قد تناولنا السبب الأول في مقال سابق، ونجعل هذه السطور للثاني والثالث، ثم يبقى الرابع في مقال قادم إن شاء الله تعالى.

2. السيولة واختفاء المقدس

وهذه نقطة اختلاف جوهرية بين الإسلام والغرب، ففي حين يظل عند المسلمين أصول ثابتة أولية (القرآن والسنة) يُرَدُّ إليها ويقاس عليها ويرتبط بها كل الإنتاج الإسلامي، يختفي هذا الأصل الذي يمكن القياس إليه في الغرب الذي تتنازعه المذاهب والأصول، لا سيما بعدما جرى من شيوع العلمانية والنسبية والحداثة وما إلى ذلك من تقلبات فكرية جذرية[1].

إن حالة السيولة واختفاء المقدس يجعل كثيرا من الأصول والقيم الجوهرية والنموذج الحاكم المهيمن الخفي -يجعل كل ذلك موضع اجتهاد ومقاربة وتلمس، وهو -من ثَمَّ- موضع اختلاف واسع. ولئن كان بالوسع توقع التطور الفكري الإسلامي استجابة للتحديات فإن هذا يعسر جدا في حالة الفكر الغربي، يقول جوستاف لوبون: "من المتعسر أن نتكهن بما قد يتولد يوما من الأيام من هذا الوقت المشوش، كما أننا لا نعرف حتى الآن على أي الأفكار الأساسية والمبادئ الأولية يقوم بناء الأمم التي تخلفنا... ألا ترى أن معتقداتنا القديمة أخذت تهتز من وهن أساسها، وأن أساطين المجتمعات القديمة تتداعى وتتحطم؟!"[2].

وقد ذكرنا في موضع سابق[3] كيف يبدو الغربيون -فيما عدا الإنجليز[4]- مغرمين بالتفريق وذوي حدة في اعتناق المواقف حتى ليصعب عليهم أن يجمعوا بين ما يمكن الجمع بينهما، كالعلم مع الدين وكالولاء للوطن مع الولاء للأسرة وكإرادة الشعب مع إرادة الله! فمن آثار هذا أن تتطور الفكرة الغربية بسرعة نحو نهايتها، فيحصل التطرف الفكري والانقلاب العنيف على ما سبق، فمثلا: ما إن يبدأ دارون "في التنظير للصراع والدموية بمقولته عن البقاء للأقوى أو للأصلح" حتى يتساءل فرويد "عن حكمة الدعوة إلى فضائل مستحيلة مثل كبح جماح الرغبات الجنسية والعدوانية، بل إنه يتحدث -في لقطة متوحشة حقيقية- عن "فضل" اليهود على المدنية، فقد انتشروا في أرجاء العالم ومن ثم اتجه إليهم عدوان الشعوب التي عاشوا بينها، فأتاحوا لتلك الشعوب فرصة التنفيس عن طاقة العدوان"[5].

وليس غريبا على قوم خاضوا هذه الصراعات الفكرية المتقلبة أن تنشأ فيهم مذاهب النسبية والعدمية، حيث لا ثابت ولا مقدس ولا مركز، وحيث تتحول حتى "الجريمة" من ظاهرة مرفوضة إلى ظاهرة طبيعية، يقول د. عبد الوهاب المسيري: "تتضح المادية (بشكلها العقلاني واللاعقلاني) في ظهور النسبية الأخلاقية واختفاء فكرة الإنسان الحر المسئول أخلاقيا، القادر على تجاوز ذاته وتجاوز بيئته. فالجريمة أثر سلبي من آثار البيئة، أو مجرد اضطراب نفسي ناجم عن اضطراب عضوي أو قوى نفسية معيَّنة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها. وقد عبَّرت هذه النسبية الأخلاقية عن نفسها في الأخلاقيات السائدة في مدينة فيينا (المدينة التي وُلدت فيها حركة الحداثة الأدبية والفنية) فساد جو من الإباحية وظهرت عدة دراسات تنطلق من الجنس باعتباره المحرك الأول وعن دور الجنس عند الأطفال وأثر الكبت على الصحة العقلية والجنسية"[6].

كأنها نبوءة قالها الشاعر روبرت براوننج (1812 – 1889م) وتحققت، أن الغرب قد انتقل "من عصر إيمان فيه شك إلى عصر شك فيه إيمان"[7].

3. غزارة الإنتاج الغربي

صحيحٌ أن الإنتاج الفكري الغربي مجموع ومخدوم، ولن نبذل كجهد المستشرقين في الجمع والتتبع والفهرسة والتحقيق، وهذه فرصة كما أسلفنا، إلا أن الجهد الكبير الذي سنبذله ولم يبذلوه متمثل في استيعاب هذا الكم الغزير من الإنتاج الفكري الغربي، والذي يُضاف إلى غزارته تعدد لغاته أيضا!

ويعاني العرب ضعفا في الاطلاع على هذا الفكر، فعدد الكتب المترجمة سنويا تبلغ 330 كتابا، وهو خُمْس ما تترجمة اليونان وحدها سنويا (1650 كتاب)، ومعدل الترجمة هذا –في العالم العربي- يساوي 4.4 كتابا لكل مليون من السكان، بينما تبلغ النسبة في المجر 519 كتابا لكل مليون من السكان، وتبلغ في إسبانيا 920 كتابا لكل مليون من السكان، فإسبانيا وحدها تترجم سنويا عشرة آلاف كتاب[8]. رغم أن عدد سكانها لم يبلغ الـ 48 مليونا[9]!!

على أن لغزارة الإنتاج هذه محاذير لا بد من التنبه إليها؛ يقول حسن حنفي "هناك الآن ظلم واقع على الوعي اللا أوروبي إذا أراد أن يكون مبدعا، نظرا للحضور المستمر للآخر في الأنا، (منه: هذا) الكم الهائل من المعلومات التي على الأنا معرفتها من الآخر، والتي على الوعي المستهلك أن يعرفه من الوعي المنتج مما يضيق عمر المبدع عن الإحاطة به واستيعابه. وفي حالة الإحاطة به فإن جانب النقل لديه يكون مثقلا للغاية بحيث يئن تحت المنقول الذي يثقل على وعيه الحر، ويغطي الواقع ذاته بل ويصبح بديلا عنه، فيغترب الباحث، ويتعامل مع الظلال دون التعامل مباشرة مع الأشياء"[10]. وكان من آثار هذا أن "استمرت الترجمة (منذ مائتي عام) حتى الآن مما جعل أقصى مشروع لدينا هو ترجمة "الألف كتاب" وأن الكتاب يترجم لدينا أو يقرأ في نفس العام بعد صدوره في بلده الأصلي! فطالت فترة الترجمة إلى قرنين من الزمان، ولم يحدث إبداع بعد.. في حين أن الترجمة الأولى في نشأة الحضارة الإسلامية لم يمر عليها قرن واحد وهو القرن الثاني حتى بدأ الإبداع بعدها في القرن الثالث وتم الترويج بيننا لنظرية الصدمة الحضارية، ومؤداها أن معدل إنتاج الغرب أسرع بكثير من معدل ترجمتنا له، وبالتالي فإن الهوة بيننا تزداد اتساعا على مرّ الأيام. مهما ترجمنا فإننا لن نلحق به حتى نظل نجري وراء الغرب لاهثين ثم نصاب بعدها بالصدمة الحضارية أي باليأس من التقدم والتمدن حتى على مستوى الترجمة والنقل دون أن نصل إلى مستوى الخلق والإبداع"[11].

إنه ذئب هيجل المعلوماتي!

وهذا اللفظ من إبداعات د. عبد الوهاب المسيري، فهو يرى أن الباحث تقابله في دراسته ثلاثة ذئاب لا بد له أن يتغلب عليها: ذئب المال، ذئب الشهرة، ذئب هيجل المعلوماتي، وهذا الأخير يعني الرغبة في الإحاطة بكل التفاصيل ضمن الموضوع النظري الكبير، وهو حلم كل باحث وكاتب، غير أن التجربة العملية تؤدي إلى أن الذي يجري وراء التفاصيل -وإن حقق علما واسعا وغزيرا- يعجز عن إنتاج شيء، لأن التفاصيل لا تنتهي، ومن هنا وُجِد من إذا سُئل عن شيء فاض عقله بعلم كثير بينما إذا أريد منه أن يكتب هذا فضلا عن تكوين رؤية عامة واستخلاص قاعدة جامعة لم يستطع[12].

والحال في هذا الموضوع كحال العاشق المتيم، يبصر ما لا يقدر، ولا يصبر على ما يبصر، كما قال الشاعر:

رأيتَ الذي لا كله أنت قادرٌ ... عليه، ولا عن بعضه أنت صابر

وكثير من علمائنا الأجلاء قلَّ إنتاجهم بدافع من هذه الرغبة، التي مع كونها مستحيلة تتمتع بجاذبية قاهرة، يزيد فيها زهد الرجل منهم وورعه وأن يرى في نفسه أنه لم يستكمل آلته بعد[13].

إن التطور المستمر جعل العلوم البحتة نفسها تتوسع وتتفرع ويغزر الإنتاج فيها، مما جعل التخصص ضرورة لا مفرَّ منها، ومن ثَمَّ جعل مجال تأريخ العلوم نفسه أشد صعوبة وقسوة، فإذا كان هذا في العلوم المادية المنضبطة المحكمة فكيف بالعلوم الإنسانية؟! ثم كيف بها بعد انهيار الثابت والمقدس؟! إننا أمام غابة حقيقية ضخمة من المدارس والمذاهب والتوجهات والآراء في كافة فروع العلم.

وإذا كان "التحدي العلمي هو القدرة على التعميم وعلى إصدار أحكام عامة لا تنقضها الجزئيات"[14]، فلقد صار التحدي عظيما في هذا العصر، وصار حتما على الباحث أن يمتلك القدرة على إنتاج تعميم دون أن يأكله ذئب التفاصيل والجزئيات.

ولو فرضنا أن إنسانا ما يقرأ كتابا كل يوم لمدة أربعين سنة، وهذا مستحيل عمليا، لم يبلغ مجموع ما قرأه الخمسة عشر ألف كتاب فقط! وهذا العدد من الكتب تنتجه أمريكا في عشرين يوما فقط، حسب إحصائيات 2011م!!

ومن هنا نتيقن من ضرورة السرعة في البدء بالاستغراب ليولد التخصص في أقرب وقت، مع إطلاق الطاقات وفتح الجامعات والمراكز البحثية لعموم الباحثين والتقليل من الشروط المالية والإدارية والتعليمية التي قد تقف حائلا دون الاستفادة من طاقات جمة لم تستكمل مسار تعليم نظامي أو لم تؤت من المال أو النفوذ ما يُبَلِّغها هذه الوظائف.

كذلك يمكن رصد المكافآت والجوائز العلمية وإطلاق المسابقات البحثية في مجال الاستغراب، فهذه وسيلة تجذب الكوادر والكفاءات البحثية مما يجعلنا نختصر نصف الطريق في البحث عن الباحثين ذوي الاهتمامات ومن لديهم هذا الاستعداد للاستغراب. وهذا الأمر يمكن البدء فيه فورا لمن آتاهم الله من فضله ووسع عليهم أرزاقهم. وأحسن من هذا لو أنهم أوقفوا أوقافا للإنفاق على الحركة العلمية ريثما ييسر الله تبني الدول لمثل هذه المجالات.

ويسعنا في البداية أن نركز على اللغة الإنجليزية بشكل أساسي، فبها يصدر "قرابة 85% من جملة الرصيد المعرفي في العالم"[15].

نشر في ساسة بوست





[1] ومما هو مثير للتأمل أن بعض مؤرخي الفلسفة الغربية يرى أن هذه علامة صحة وتفوق كما يقول رونالد سترومبرج: "يمتاز المنهاج العقلاني الأوروبي بديناميكية شديدة، وذلك إذا ما قسناه بمناهج الحضارات الأخرى (التي يقدر عددها أرنولد توينبي بما بين 21 و 24 حضارة). إذ إن تلك الحضارات كانت فاترة الهمة بطيئة الخطى مكبلة بأغلال التقاليد والعادات، بينما حضارتنا بالغة القدرة على التبدل والتفكير". رونالد سترومبرج: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث ص19.
[2] جوستاف لوبون: روح الاجتماع ص11.
[4] علي عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب ص371 وما بعدها.
[5] عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 3/451.
[6] عبد الوهاب المسيري: موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية 8/441.
[7] ريتشارد كوك وكريس سميث: انتحار الغرب ص80.
[8] تقرير التنمية الإنسانية العربية – 2003، ص67.
[9] طبقا لإحصائية 2014، مستفادة من موقع "كتاب الحقائق" التابع للمخابرات الأمريكية www.cia.gov
[10] د. حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب ص47.
[11] د. حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب ص67، 68.
[12] د. عبد الوهاب المسيري: رحلتي الفكرية ص133 وما بعدها (ط قصور الثقافة).
[13] انظر مثلا: مقدمة د. عبد العظيم الديب لكتابه "نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلامي" ومحاولته أن يكون كشيخه محمود شاكر، وسجال بينه وبين الشيخين القرضاوي والغزالي.
[14] د. حسن حنفي: مقدمة في علم الاستغراب ص102.
[15] تقرير التنمية الإنسانية العربية – 2003 ص66.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق