الثلاثاء، نوفمبر 22، 2005

عصفورة الأمن

كنت فى غاية الشوق للعب الكرة ، الرياضة التى أعشقها – كغالب المصريين – لكن ظروف الفترة الأخيرة لم تسمح لى بمزاولتها .
وبينما املأ صدرى من هواء الصباح الباكر ، فالساعة ماتزال السادسة ، ونحن مازلنا بعد فى أيام الشتاء .. أخطو على الأرض ، إذ بى أجد شيئا يتحرك من تحت قدمى ، فحرفت مكان قدمى بسرعة لكى لا أدهسه ، غير أن الذى تحرك ، تحرك نحو المكان الجديد الذى ستطؤه قدمى ، فحرفتها مرة أخرى ، وكدت اقع إثر عدم الاتزان .. ما إن استعدت توازنى حتى التفت فإذا هى عصفورة صغيرة ، رمادية اللون ..

لكنها ...

لكنها ، مشلولة ..

قدميها ضامرتين ، ومنكمشتين تحتها ، ولاتستطيع المشى ، لذا لاتعدو حركتها سوى مجموعة من القفزات الغير منتظمة ، وهى وسيلتها الوحيدة التى تهرب بها من أخطار الطريق الذى صارت الآن فى وسطه ، ربما دون أن تدرى .

تملكتنى الشفقة ، ومددت يدى كى أرفعها من هذا الطريق ، فأحميها من أخطاره الكامنة فى كل قدم ، وكل حافر ، وكل إطار سيارة ... لكنها دفعت نفسها فى قفزة أخرى ، مبتعدة عنى فى خوف واضح .
أمسكتها مرة أخرى ، وفزعت لدى رؤيتى لمدى اضطرابها وخفقان صدرها بين يدى .. سارعت بوضعها فوق نافذة مغلقة ، كى لاتظل فى الطريق تواجه موتا ، كالذى صاحت له نملة سليمان ( لايحطمنكم سليمان وجنوده ، وهم لايشعرون ) .

ما إن وضعتها على النافذة حتى ، ألقت بنفسها مبتعدة عنى ، فسقطت من النافذة إلى الطريق مرة أخرى ، وما ازال أحاول أن أرفعها من الطريق ، وهى لا تيأس من الابتعاد عنى ... تظننى العدو منبع الموت .

ومع كل شفقتى ، إلا أنى يأست ، وابتعدت عنها مودعا .. إذ أن بقاءها هكذا ، لن يتعدى ساعات على أفضل تصور .

وظلت هذه الحادثة تؤرقنى حتى اليوم ، كيف أن كثيرا ممن تقترب منهم مادا إليهم يد المساعدة ، يرون فيك العدو الذى يحمل الخطر ، فيبتعدون عنك فى إصرار ، إن لم يواجهونك فى استماتة .

****
ولم تتركنى الأيام أفكر كثيرا ، فلقد رأيت هذه العصفورة متجسدة فى بشر ، بل فى قطاع عريض من البشر ، يرون فيك العدو ، رغم انك تدافع عنهم وتعمل لصالحهم .

كانت مظاهرة كالتى تخرج كثيرا فى مصر هذه الأيام ، ورايت فى عيون جنود الأمن المركزى من التحفز والتربص ، والاستعداد للانقضاض والافتراس ، ما يفجر الذهول ، ويثير الجنون ، فهؤلاء الفقراء المساكين الذين يذوقون الوان الذل واصناف المرارات فى معسكراتهم ، يستطيع أى انسان من رؤسائهم ان يستخدمهم كخدم فى بيته ، وسعاة لديه يشترون الخضار والفاكهة ، ويغسلون الملابس ( حتى الداخلية ) ، ويمسحون البلاط ، وينظفون الستائر ، ولايلقون بعد كل هذا إلا كما قذرا من سباب وشتائم بل وضرب وحبس وتعذيب .

هؤلاء الذين تنتهك أبسط حقوقهم ، كيف يستعدون بكل هذا التحفز والتربص لافتراس من ينادى بالإصلاح والتغيير ، ويستشهد بهم وبفقرهم لإثبات ما نعيشه من ظلم فادح وطبقية مريرة ؟؟؟؟

وهؤلاء البلطجية الذين تستعين بهم السلطات لمنع الناس من انتخاب الأصلح والأفضل والأقدر على إيقاف الظلم ومحاربة الفساد ، كيف ينطلقون بكل حماس وهمة لإعاقة محاولات وقف الفساد ، وهم فى ذات اللحظة أحوج ما يكونون إلى التخلص من واقعهم البائس الكئيب ؟؟؟؟

بل دعنا نتمادى اكثر من هذا ..

هذا الذى يمسك بالسوط ويهوى به على ظهر معتقل ، يمزقه ويقطعه ... اتراه تجرد من الرحمة فعلا ، أم أنه يظن أن هذا عميل لليهود والأمريكان ، وأنه لو وصل إلى السلطة فسيقلب الدنيا ظلاما ؟؟؟؟

ولقد قال هذا أكثر من واحد ممن ساهم فى التعذيب بسجون عبد الناصر ، وقد رأيت بعينى افلاما أذاعتها قناة العربية ، لبعض التعذيب مما كان يحدث فى سجون صدام حسين ، وهى مشاهد انتشرت فيما بعد على الانترنت ، لعسكريين يضربون بالعصى مشتبها فيهم ، حتى فقد الوعى .. مشاهد مشمئزة أفقدتنى كل تعاطف مع قتلى الشرطة والجيش العراقيين فيما بعد .

لكن ، حين تتفرس فى هؤلاء ، وترى حماستهم فى الضرب ، وتحريهم لمواضع الألم .. تتعجب ، لم يفعل كل هذا ، بكل هذا الحماس ؟؟؟؟

ورغم انه لايمكن لأحد تبرير هذا التوحش ، فإن قراءة لما يحدث ، تصيبك بالحسرة على هؤلاء الجهلة الذين يطفئون النور الذى يحتاجونه ، يطفئونه بكل حماس وهمة وقوة .. ولعلهم يجدون فى هذا العمل لذة العمل ، ولذة البذل ولذة الجهد .

تماما ، كحال العصفورة ، التى اختارت الموت ، فألقت بنفسها فى الطريق مبتعدة عن يد كانت تحميها من هذا الموت .

ترى ، هل هذا غائب عن الحكام ؟؟؟
أم ان تجهيل الشعب هدف من أهدافهم ؟؟؟

وهل يستطيع المصلحون أن ينظروا إلى هذه القطاعات بإشفاق الناصح المحب ؟؟ أم أن أفعالهم لن تترك مجالا للعفو ؟؟

صلى الله على محمد حين قال ( لا .. عسى الله أن يخرج من اصلابهم من يوحد الله ولايشرك به شيئا )
ثم ختم فتحه الكبير بفتح أكبر حين قال لهم ( اذهبوا فأنتم الطلقاء ) .

13/3/2005

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق