الأربعاء، يناير 17، 2018

الشيخ الغزالي، كيف يفكر وكيف يزن الرجال

لعل أحكم تعريف للتاريخ هو أنه "ما يحتاج الناس إلى تذكره"[1]، وعند بعض المؤرخين والفلاسفة أن التاريخ كله "إنما هو تاريخ من ظهر في الدنيا من العظماء، فهم الأئمة وهم المكيفون للأمور، وهم الأسوة والقدوة"[2]، وفي زمن الثورات والمواجهات وافتقاد الزعماء الملهمين يحتاج الناس إلى تذكر زعاماتهم الثورية، التي ودُّوا لو أنها كانت حاضرة تقودهم في المحنة وترشدهم في المعضلات، وهذا بعض معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "إذا أصيب أحدكم بمصيبة فليذكر مصيبته بي فإنها أعظم المصائب"[3].

وقد ناهز الشيخ الغزالي ثمانين عاما وقعت فيها ثورتان في مصر، الأولى (1919م) لم يدركها وإنما عاش آثارها إذ وقعت وعمره عامان فحسب، وأما الثانية (1952م) فقد عاشها كلها منذ البذور وحتى الثمار، وكان عقدا الخمسينيات والستينيات حافلا بالثورات في أنحاء العالم العربي والإسلامي، فكان حضور شأن الثورة وأبطالها واقعا في فكر كل مهموم بحال الأمة فضلا عمن كان في الصدر من دعاتها ومشايخها كالغزالي. فإن زدنا على هذا أن الثورتين كلتيهما فشلتا وانتهتا إلى عكس مقصودهما وعادتا على المسلمين بالوبال الذي كان سابقه خيرا منه فلا بد لمن كان مثل الغزالي أن تكون له في تلك الأمور نظرات وتأملات وآراء أنشأتها المعاناة ومرارة الحصاد.

خلاصة مشروع الغزالي

يسوق الاستقراء العام لإنتاج الشيخ وتتبع مواضيعه المُلِحَّة إلى نتيجة مفادها أن نكبة الأمة التي كانت على يد الاستعمار الحقود والاستبداد المظلم إنما ترجع إلى تخلف الأمة وضعفها، وضعفها هذا راجع إلى أن أهل الدين فيها لم يقوموا بدورهم الواجب عليهم، وتقصيرهم هذا إما راجع إلى الجهل وسوء الفهم أو إلى الأمراض النفسية وسوء الخلق.
وهكذا نستبين أربعة أمور متضافرة تعمل على إنهاك الأمة وإضعافها وإبقائها في الضعف: الاستعمار، الاستبداد، والجهل، وسوء الخلق. ومن تلك الأربعة تنتج سائر الأمراض:

1. الاستعمار يهودي وصليبي وشيوعي ووثني وكله يفتك بالمسلمين شرقا وغربا، ويحاول تثبيت هيمنته بالغزو الفكري والثقافي الذي يقوى ويتمدد في الفراغ الذي تحدثه الأسباب التالية

2. والاستبداد وريث الاستعمار وهو من ثمرته إلا أن له جذورا في تاريخنا وتراثنا ينبغي التصدي له إلا أنه في حالتنا المعاصرة مدعوم بالاستعمار وخادم له ومنشيء لأمراض غير مسبوقة من الفساد والمظالم والجرائم.

3. الجهل الذي يُمَكِّن للاستعمار والاستبداد في أرضنا، وأصله انحراف في الفهم الصحيح للدين يجعل المسلمين متعلقين بالوهم والخرافات أو لديهم تشوه في النظر الصحيح المعيق لفهم القرآن والسنة ومراتب الأدلة وطريقة الفقه والترجيح السليم، وهو ما يؤدي إلى انحراف المجهود من مواجهة العلل الحقيقية والكبرى إلى قضايا هامشية فرعية، وقد يحرف الغاية إلى حرب المصلحين أنفسهم

4. سوء الأخلاق الذي ينتج من سائر الأسباب السابقة ثم هو يرسخها ويُمَكِّنُها، ويكون من وسائلها وأدواتها في مهاجمة المصلحين وتشويه رسالتهم وأغراضهم.

والحل الذي دندن حوله الغزالي يتلخص في معالجة تلك الأمور الأربعة، وتكون بدايته بمجدد أو مجموعة منهم تحقق فيهم رقي الخلق وحسن الفهم، تبث في الأمة أو في شبابها على الأخص روح الهمة العالية المتسلحة بالفقه الصحيح لتجاهد موروثات الجهل والضعف ودعائمها من الاستبداد والاستعمار. ونستطيع أن نضع كل إنتاج الشيخ الغزالي في واحدة من تلك الأربعة، وبتقدير عام نستطيع القول إن مؤلفات الغزالي انقسمت بين مواجهة الاستعمار والاستبداد من ناحية وإصلاح الجهل وسوء الخلق من ناحية أخرى، مع زيادة ملحوظة في إنتاجه الموجهة نحو إصلاح الجهل وسوء الخلق.

على وفق مشروع الغزالي رُسِمت ملامح الزعماء في فكر الشيخ، فهو حفيٌّ بكل من انطلق من الإسلام[4] فضرب سهما في الاستعمار أو الاستبداد وجاهد أيا منهما، ثم هو شديد الحفاوة بكل من ضرب سهما في باب إصلاح الجهل وتحطيم الوهم والخرافة أو في باب إصلاح الخلق وتقويم السلوك وتقديم نموذج في العدل والإنصاف، ثم هو منزعج من كل تعطيل وتشويه وتحقير يطال أولئك المصلحين القائمين بتلك المهمة.

رؤية جامعة

ولذلك يجتمع في عقل الغزالي وقلبه من يُنظر إليهم كاتجاهات متقابلة أو متوازية أو حتى متضادة في وعي آخرين أو في التصنيف المعتمد على اعتبارات أخرى، فالمصلحون الكبار عند الغزالي الذين تكرر منه ذكر أسمائهم هم "محمد بن عبد الوهاب، وابن إدريس السنوسى، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبى، وحسن البنا"[5]، وأضاف إليهم في مواطن أخرى أحمد عرابي[6]، واجتمع لديه من الحركات الإصلاحية: "حركة جمعية العلماء فى الجزائر، وحركة السنوسية فى ليبيا، وحركة الإخوان المسلمين فى مصر، والحركة السلفية فى الجزيرة على يد المجتهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحركة توحيد الجزيرة العربية بقيادة الملك عبد العزيز.. السلفى العاقل والسياسى المحنك رحمه الله"[7].

ما يجمع بين هؤلاء عند الغزالي أنهم "نظروا إلى المسلمين على أنهم أمة واحدة، وإلى أسقامهم الموروثة على أنها علَّة مشتركة، وعالجوها بروح يستهدف كتاب الله وسنة رسوله مباشرة"[8]، وأنهم كانوا "يحترقون دأبا فى تعريف الجماهير الغافلة بالله وحده ويمسحون عن قلوبها الذليلة أرجاس العبودية للأوهام والأسماء"[9].

ولا يضر بعدئذ أن تعددت طرقهم وتنوعت طرائقهم، "فجمال الدين الأفغاني كان مشغولا بالإصلاح السياسى، ونفخ روح الحياة فى أمة خمدت أنفاسها تحت أقدام الطغاة. ومحمد عبده وصاحبه رشيد رضا كانا مَعْنِيَيْن بالإصلاح العلمى ومحو الخرافات التى شلت التفكير الإسلامى دهرا طويلا. ومحمد بن عبد الوهاب ركز اهتمامه فى تطهير الإيمان من أدران الشرك والعودة بالأمة إلى اليقين المصفى الذى ورثته عن رسولها العظيم"[10].

حفاوة وتقدير

وكان الغزالي محتفيا بإنجاز أولئك الرجال وحركاتهم أشد الاحتفاء، فهم الذين "أبقوا سرادق الإسلام منصوبًا، وشأنه مرموقا! على حين كان الساسة الحاكمون يخبطون في دنيا الغرور و الهوى ولا يهتدون سبيلا"[11]، ويرى أنهم "قدموا للدعوة من الخير ما قدمه مثلا أبو حنيفة ومالك وسائر الأئمة الفقهاء فى ميدان الفتوى والتشريع، وما قدمه من قبل الخلفاء العدول والفاتحون العسكريون.. فى ميدان السياسة الداخلية والخارجية"[12]، ولولاهم "لدرست معالم الدين"[13].

ولقد تحسر الغزالي على لحظات تاريخية فارقة أفلتت من الأمة لأنها لم تحظ فيها بقيادة واحد من أولئك الزعماء، وقد تساءل آسفا "لو أن جمال الدين (الأفغاني) عاصر مصطفى كمال فى تركيا، أكانت نهضة القائد المنتصر تميل عن الإسلام هذا الميل؟ أو لو كان محمد عبده العالم الثائر أو حسن البنا المربي النابه، لو أن أحدهما صاحَبَ الثورة الكبرى سنة 1919، أكانت تأخذ اتجاهها المدنى (العلماني) المحض مبتوتة الصلة بآلام الإسلام وآماله؟ إن القصور الشنيع فى أفكار علماء الدين ورؤساء الجماعات الإسلامية يومئذ جر على الإسلام هزائم متلاحقة"[14].

إنصاف وإعذار وحراسة

ومن هنا نرى الغزالي كثير التقدير لأولئك الزعماء، كثير الدعوة إلى إنصافهم والاعتذار لهم والإغضاء عما قد يكون وقع من أخطاء في مسار حركتهم، شديد الحساسية تجاه من يحتقرهم أو يطعن فيهم، ولديه في هذا مادة غزيرة ومتكررة في إنتاجه، وهو يصرح بأن مسلك هدم الكبار قد يُحتمل حين تكون الأمة في عفية وسعة، "أما اليوم وهم غنائم باردة لما هبَّ ودبَّ فليغيروا من سلوكهم وليحسنوا أدبهم مع الله ومع أنفسهم.. فجمع الشمل أولى والتلاقى على أركان رسالتنا أهم من التخاصم على سفساف الأمور"[15].

بل لقد اعتبر الطعن فيهم خيانة عظمى، يقول: "أدركت أننى أمام خيانة عظمى، وأن خصوم التوحيد وأعداء الله ورسوله قد نالوا من أمتنا منالا هائلا!! تحقير لأبى حنيفة فى الأولين، وتحقير لحسن البنا فى الآخرين، وتبقى أمتنا بلا تاريخ. ثم ينطلق الأقزام والأمساخ يعرضون أفكارهم على الأمة اليتيمة، لتجرى وراءهم إلى الهاوية.. إننى أحذر من الثقافة المسمومة التى تقدم للشباب الغض"[16].

وما ذلك إلا لأن الطعن فيهم ليس مجرد طعن في شخص، فإن "شتم جمال الدين، ومحمد عبده، ورشيد رضا، لا يعنينا لو كان تجريحا شخصيا، إنه محاولة للقضاء على نهضة أمة ورسالة دين؟ ماذا قلت؟ لماذا لا يعنينى تجريح رجالنا والنيل من مكانتهم؟ هذا خطأ كبير. إن الجهود المجنونة التى تستبيح قادتنا وكبراءنا فى ميدان العلم والأدب والسياسة لها غاية يجب فضحها، والتحذير من مغبتها، إنها تريد القضاء على تاريخ أمة، وعندما تكون أمتنا بلا تاريخ، فلن تكون أمة، ما قيمة أمة ليس لها رجال؟ وما قيمة دين لم يصنع رجالا على تراخى العصور؟ إنه لابد من استنقاذ تراثنا من أيدى المسعورين والهدامين، والواقفين على مبعدة ينبحون القوافل المارة"[17].

ويبدو من تلك العبارات ضيق نفسه بهذا المسلك في هدم الرجال، وهو أضيق نفسا حينما يكون مدخل الطعن فيهم سوء فهم الدين واضطراب المعايير، فعندها ينقلب الحال ليكون الطعنُ فيهم أداءَ واجبٍ في الدين عند فاعله، ومسألة اضطراب المعايير وتشوه الأولويات تلك من أكثر الأبواب التي خاضها الغزالي مقاتلا فيها حتى لربما اشتط أحيانا وخانته العبارة، وفي سياقنا هذا يستنكر الغزالي فهم السوء الذي جعل أمثال بعض أولئك الزعماء القادة ناطقين عن الغرب أو مخالبه في بلادنا، يقول: "وجمال الدين (الأفغاني) ومحمد عبده ورشيد رضا كانوا ينصرون الإسلام حين يذكِّرون بالشّورَى، وكانوا يستمدّون من تعاليمه لإصلاح ما ساد عصرهم من اعوجاج، بل لقد كانوا يعالنون بسلفيتهم إذ أن السلفية فيما يعلم أولو الألباب شيء آخر فوق إحفاء الشوارب! إن الإسلام يضيره أشَدّ الضير أن تختص أرضه وحدها بأجرأ الناس على اغتيال المال العام والخاص، وأجرأ الناس على تدويخ الشعوب وإذلال من أعز الله وإعزاز من أذلّ الله. وسيقال: طبيعة نظمه أوحت بذلك أو سكتت عليه. وهذه في نظرى أقبح فِرْيَة بعد الشِّرْك بالله"[18].

ولا يستنكف هو نفسه أن يعود فيرجع ويعتذر عن تقييم خاطئ وقع فيه لزعيم مسلم أو حركة إسلامية، فقد صدَّر الطبعة الثالثة من كتابه "الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية" بقوله: "كنا قد وقفنا من بعض الصور الاجتماعية والاقتصادية التى كانت قد وصَّلَّتْ إلينا الموقف الإسلامى الذى أملاه علينا ضميرنا الإسلامى.. لكن يبدو أن الأمر لم يكن كما وصلنا.. فقد كان هناك شطط فى المصادر التى نقلت هذه الصور وبالغت فى تشويهها..!! وقد أيقنت بعد تجارب كثيرة أن الحركات الإصلاحية السليمة تخضع لتشويه كبير من قبل أجهزة راصدة مشبوهة"[19].

* هذا المقال جزء من الورقة التي قدمها الباحث في مؤتمر مئوية الشيخ محمد الغزالي، الذي أقيم بمناسبة مائة عام على مولده، والمنعقد في اسطنبول (ديسمبر 2017).



[1] ألبرت حوراني، الفكر العربي في عصر النهضة: 1798 - 1939، ترجمة: كريم عزقول، (بيروت: دار النهار، 1962م)، ص19.
[2] توماس كارلايل، الأبطال، ترجمة: محمد السباعي، (القاهرة: مكتبة مصر، بدون تاريخ)، ص13.
[3] الدارمي (83)، والطبراني في الكبير (6734)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1106).
[4] الانطلاق من الإسلام هنا شرط أساسي في اعتبار الغزالي للزعماء، فإنه لا يلتفت لمن اعتمد على مناهج أخرى في التغيير، ويتلخص موقفه المبدئي في قوله: "الإسلام وحده هو وجودنا المادى والأدبى، وهو العنوان المشترك بل الموضوع المشترك بين ماضينا ومستقبلنا، ولن نقبل أن يبتعد حاضرنا عن الإسلام قيد أنملة". الغزالي، علل وأدوية: دراسات في أمراض أمتنا ووسائل الاستشفاء منها مع تصحيح لما وُجِّه إلى التاريخ الإسلامي من أخطاء، ط3 (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص80.
[5] الغزالي، كيف نفهم الإسلام، ط3 (القاهرة: دار نهضة مصر، مارس 2005م)، ص63.
[6] الغزالي، من هنا نعلم، ط5 (القاهرة: دار نهضة مصر، يناير 2005م)، ص55.
[7] الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ط3 (القاهرة: دار نهضة مصر، أكتوبر 2005م)، ص7 (مقدمة الطبعة الثانية).
[8] الغزالي، من هنا نعلم، ص55.
[9] الغزالي، في موكب الدعوة، ط4 (القاهرة: دار نهضة مصر، أغسطس 2005م)، ص95.
[10] الغزالي، مع الله: دراسات في الدعوة والدعاة، ط6 (القاهرة: دار نهضة مصر، إبريل 2005)، ص141.
[11] الغزالي، كيف نفهم الإسلام، ص63.
[12] الغزالي، مع الله، ص141.
[13] الغزالي، في موكب الدعوة، ص10.
[14] نفس المصدر.
[15] الغزالي، علل وأدوية، ص77.
[16] الغزالي، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص181.
[17] الغزالي، علل وأدوية، ص93.
[18] الغزالي، الغزو الثقافي يمتد في فراغنا، (القاهرة: دار الشروق، 1997م)، ص36.
[19] الغزالي، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، ص7.

الثلاثاء، يناير 16، 2018

مسألة الشرعية لدى حركة المقاومة

في الأدبيات الغربية المهتمة بالحركات الإسلامية تفريق واضح بين "التمرد" و"الإرهاب"، وليس التفريق طبعا بغرض الدقة العلمية أو بغرض الحقوق القانونية، بل بغرض فهم وإنتاج السياسة المناسبة للتعامل مع الخصم بما يفضي في النهاية لهزيمته وكسره.

أبرز الفوارق بين "التمرد" و"الإرهاب" أن التمرد مدعوم بتأييد شعبي كبير، فالتمرد يكون ضد حكومة لا تحظى بالشرعية لدى السكان بينما الإرهاب عكس هذا، فهو عمل مجموعة صغيرة ضد حكومة مستقرة الشرعية، ولذلك لا يحظى بتأييد الغالبية من السكان. التمرد يستهدف النظام والسلطة بينما الإرهاب يستهدف المدنيين. التمرد يحاول أن يجتذب إليه قوات الجيش والشرطة بينما الإرهاب في العموم لا يفعل. وبطبيعة الحال فكل "إرهاب" يحاول أن يصل إلى مرحلة "التمرد".. ساعتها يكون قد نجح في نزع شرعية النظام وفي الحصول على دعم جماهيري واسع.

ولذلك فتوصيات الدراسات الأمنية الغربية تفرق بين الأمرين لأنها تسعى إلى معالجة الحالة بما يناسبها فلا تزداد تفاقما، ولا تزال أغلب الدراسات الغربية الجادة التي تنشر ما يحدث في مصر تصف الوضع فيها بأنه "تمرد" لا "إرهاب"، بما في ذلك الدراسات التي تتناول الوضع في سيناء. وحين أصدرت "راند" تقريرها في 2008 (كيف تنتهي المجموعات الإرهابية) كانت تعتمد هذا التوصيف. وكان غرضها أن تحاول التعامل مع حالة تنظيم القاعدة بعدما ثبت خطأ السياسة الأمريكية في التعامل معها ضمن "مكافحة الإرهاب".

خلص تقرير راند إلى نتائج تفرق بين التعامل مع "التمرد" والتعامل مع "الإرهاب"، فالحركات "الإرهابية" ينتهي أغلبها (43%) بالتسوية السياسية بينها وبين الحكومة حيث يجري احتواؤها ضمن عملية سياسية انتقالية. ثم ينتهي (40%) منها بالاختراق الأمني المخابراتي المعلوماتي الذي يؤدي إلى اكتشاف قياداتها ومفاصلها الرئيسية ومن ثم اغتيالها أو اعتقالها، وهو مجهود لا يصلح للقيام به الأجهزة الأجنبية بل يُلقى على عاتق الأجهزة المحلية الأكثر معرفة بالبيئة الداخلية. ثم ينتهي (10%) منها بتحقق أهدافها، و(7% فقط) بهزيمتها عسكريا. وهذا ما يعطي التوصية بأن المكافحة العسكرية هي أقل الوسائل نجاحا في القضاء على المجموعات "الإرهابية"، فيما يتعاظم العمل حول "الإصلاح السياسي" ثم "العمل الأمني الاستخباري".

ولاحظ واضعو التقرير أيضا نتائج أخرى من أهمها:

1.    أن التنظيمات الدينية هي الأطول عمرا.
2.    أن التنظيمات الكبيرة أقدر على الصمود والبقاء والانتصار من التنظيمات الصغرى
3.    التنظيمات التي اشتركت في "تمرد" لا تنتهي بسهولة.
وتلك النتائج الثلاثة الأخيرة نستخلص منها أمورا في غاية الأهمية والخطورة، وهي على الترتيب:

1.    أهمية الدين وأنه أقوى وأرسخ من سائر الأيديولوجيات النضالية، فما من حركة كفاح إلا واعتنقت فكرة، ومع هذا فقد كانت الحركات الدينية أطول نفسا وأقوى صمودا.
2.    أهيمة الإعداد وضرورته، فالحركة التي تستطيع أن تكتسب أفرادا أكثر تعبر عن قدرة استيعابية وتشغيلية، ومن ثم ينعكس هذا على نتائج المعركة.
3.    القدرة على تثوير الناس والمجتمع والانضمام إلى لحظتهم الثورية يمثل انتقالة فارقة في تاريخ أي حركة.

اللافت للنظر في تقرير راند هذا أن الحركة التي تهدف إلى تحقيق الخلافة الإسلامية لا يمكن التفاهم معها عبر التسوية السياسية (النتيجة الأكثر فعالية في القضاء على الحركات "الإرهابية")، ومن ثم فلا بد من تفعيل وتوسيع وتعظيم النشاط الأمني الاستخباري، ثم النشاط العسكري الذي ينبغي –كما يوصي التقرير- أن يُعهد به للجيوش المحلية لا للجيش الأمريكي.

هذه المقدمة الطويلة أحاول أن أدخل منها إلى معنييْن على وجه التحديد، أحدهما يتعلق بكوني واحدا من أبناء الثورة المصرية والحركة الإسلامية المصرية، والثاني يتعلق بكوني باحثا في التاريخ والحضارة الإسلامية. وهذا مع أن الفائدة الكبرى في هذه الأمور إنما تكون للمهتمين والباحثين في الشؤون الأمنية والعسكرية.

أولا: موقع الشرعية في السياسة

يصر النظام المصري على أنه يواجه "الإرهاب" لا على أنه يواجه "التمرد"، فالتمرد يطعن في شرعية النظام مباشرة، وقد حاول النظام القديم منذ أوائل عهد الرئيس مرسي أن يرفع شعار "سقطت شرعيتك يا مرسي"، وأن يبني لنفسه شرعية بكل الوسائل، ليس فقط بمشهد المظاهرات المصنوعة والمحشودة، بل أيضا بمشهد الانقلاب الذي جمع الرموز المتنوعة بمن فيهم الفئة التي لا يطيقها النظام "السلفيون"، ثم بمشهد الاستفتاء على دستور الانقلاب حيث لا بد أن يصوت عليه أكثر ممن صوتوا على استفتاء دستور الثورة، ثم بمشهد انتخابات الرئاسة الذي يحوز فيه السيسي 97% من الأصوات، وهي محاولة لتسويق وجود "إجماع شعبي" و"شرعية كاملة". وإلى الآن تتناثر في خطابات السيسي وقيادات العسكر التأكيدات على أنه لم يخن ولم يغدر ولم ينقلب وإنما اضطروا للتدخل كي لا تضيع مصر!
والواقع أن سائر من يعارضون الانقلاب (الانقلاب نفسه كنظام لا السيسي كشخص) ليس بيدهم ورقة شرعية ولا قانونية ولا حتى أخلاقية سوى شرعية الرئيس مرسي، وهذا بغض النظر الآن عن مسألة القدرة أو الإرادة في استثمار هذه الورقة وتفعيلها. فالتخلي والتنازل عن هذه الورقة هو نفسه تثبيت لشرعية الانقلاب ولشرعية أي انقلاب.

وأخطر ما تتعرض له الثورة المصرية في لحظتها الحالية هو إيجاد قبول عام بالاستسلام للنظام، ولمؤسساته، والقبول بأي عرض يرجع الحال به إلى ما قبل 2011. صحيح ربما نتفهم أن العجز قد بلغ بالبعض أن يقنعوا بهذا (وهنا يجب ألا ننسى أنه عجز صنعوه بأيديهم بل هم كافحوا وحاربوا بكل طاقتهم كل من أرادوا كسر العجز وتفعيل المقاومة)، لكن يجب ألا ينسينا هذا أننا نبيع الثورة ونعترف بفشلها ونسلم بانتصار الانقلاب.

وبالمناسبة، فنفس الوضع الذي يتم على المستوى المحلي يتم أيضا على المستوى الدولي، فعندما تضطرب الأمور في بلد ما، ينزل إليها دائما هذا الكائن البغيض المسمى "المبعوث الدولي"، هذا الكائن له مهمة وحيدة، وهي هدم الشرعيات وتصفير الأوضاع، يدعو دائما لحوار بين كل الأطراف بلا شروط مسبقة. وهكذا يمثل الصغير كالكبير وتُمسح مكاسب الشعب السابقة لحساب صناعة اضطراب جديد، ثم لا يصل حواره أبدا إلى حل، بل يظل يكسب الوقت حتى تعمل الآلة الدولية على دعم عميلها بالمال والسلاح ليسيطر على الأرض. عندها يسافر الكائن البغيض مرة أخرى معلنا فشل "الحوار الوطني".. للأسف!

لقد كتبنا كثيرا جدا في معنى الشرعية من قبل[1]، والجديد هنا أننا نشير لكون معنى الشرعية ليس مجرد معنى سياسي يختص السياسيون به، بل هو داخل في صميم العمل الثوري المقاوم، فلا بد للحركة المقاومة من نشر أفكارها ومفاهيمها التي تؤصل وتبين شرعية عملها وغاياتها، فالعنف الصامت –كما تقول الفيلسوفة اليهودية الألمانية حنة أرندت- عمل حيواني، وإنما يتميز الإنسان بما يضفيه عليها من المعنى الشرعى.

وحيث نتحدث في بلادنا عن حركات المقاومة الإسلامية، ففي أمتنا العربية والإسلامية، اختفت وذابت الحركات غير الإسلامية ولم يبق سوى الحركات الإسلامية. أقول: حيث نتحدث عن حركات تستمد حركتها من الإسلام فإن الإسلام يوفر أساسا راسخا ومتينا في مسألة الشرعية، وهو أساس ضارب في كتب الفقه ويحتفظ بقداسته من نصوص القرآن والسنة، وهذا ما يجعل نشره بين الناس أسهل كثيرا كما يوفر له من أهل البسالة والتضحية أفواجا وأمواجا وأمدادا في كل حين.

فالنظام الشرعي في الإسلام هو النظام الذي يطبق الشريعة..

هذه العبارة البسيطة لو استطاعت الحركات المقاومة أن تنشرها وتغرسها بين الناس لوفرت على نفسها جدالات هائلة ومجهودات رهيبة في تكوين وبناء شرعيتها.. وهذه العبارة البسيطة يُستدل لها من القرآن والسنة وعمل السلف الصالح وسيرة العلماء وجهاد المجاهدين بمادة غزيرة لا تنفد.. فإن تاريخ الإسلام كله هو تاريخ إسقاط الأنظمة غير الشرعية لإقامة النظام الشرعي.

وهنا تلتقي خلاصة التوصيات الغربية والجهادية معا.. فبقدر ما تنتهي الدراسات الأمنية الغربية إلى توسيع الفجوة بين الحركة الجهادية وبين الأمة، تنتهي التوصيات الجهادية إلى جسر وردم الفجوة بين الحركة الجهادية والأمة[2].

ثانيا: شرعية النظام في التاريخ الإسلامي

وهنا أدخل إلى المعنى الثاني المتعلق بالتاريخ الإسلامي. وسأوجزه كثيرا..

ما دلت عليه الشريعة وسنة الخلفاء الراشدين أن النظام الشرعي في الإسلام يتوفر بناء على ركنين: تطبيق الشريعة واختيار الأمة للأمير.. وهذا مذكور في أول خطبة لأبي بكر "وليت عليكم ولست بخيركم... أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

والخلافة الراشدة هي الخلافة التي تحقق فيها الركنان: تطبيق الشريعة واختيار الأمة للأمير. فما إن تحولت الخلافة إلى الملك حتى فقدت صفة "الراشدة".

السؤال هنا: لماذا قبل المسلمون، انتقال الخلافة إلى الملك في لحظة تولي يزيد؟ ثم لماذا قبل العلماء فيما بعد بولاية المتغلب وجعلوا التغلب من طرق حصول الخلافة؟

الإجابة بإيجاز وتبسيط شديد هو أن ذلك كان في لحظة اضطرار، في لحظة الاضطرار هذه حصل ما نسميه في لفظنا المعاصر "التضحية برأس النظام للحفاظ على النظام نفسه"، نفس المبدأ الذي استعمله الأعداء ضدنا في الثورات المضادة حين تخلوا عن زين العابدين ومبارك والقذافي وصالح ليبقى النظام. وقد سوومت الثورة السورية في بدايتها –كما روى رياض الأسعد- نفس المساومة: أن يرحل بشار مقابل الحفاظ على الأجهزة الأمنية والعسكرية، فلما رفض رياض الأسعد قيل له: إذن ستطول الحرب.

هذا المبدأ كانت نتيجته: القبول بمن لم تختره الأمة اختيارا حرا طالما أنه سيقيم الشريعة ويحفظ الثغور وينشر الأمن ويحمي بيضة الدين. ومع هذا فقد بقيت كتب السياسة الشرعية تؤكد أن هذا اضطرار وأن الأصل هو بقاء ركني الشرعية معا "تطبيق الشريعة والاختيار الحر للأمير"، ومما ترتب على هذا أن الخارج على المتغلب ليس خارجا على إمام شرعي، ولا يأخذ حكم الخوارج الذين خرجوا على علي، وأن هذا المتغلب الجديد إن استقر له الأمر فقد تغلب ولم يُسْعَ في استعادة السابق لأنه لا شرعية له، بخلاف الإمام الشرعي الذي يُقاتل معه ويُسْعي في استنقاذه إن أُسِر وإعادته للإمامة، ومن آثار هذا أيضا أنهم لا يبايعون للمتغلب إلا إن استقر تغلبه وصار في حكم الواقع، وصارت بيعتهم في حكم تحصيل الحاصل. ثم مع هذا كانت حركة العلماء والمصلحين والثوار لإعادة الأمر إلى نصابه ومقاومة ما عليه هؤلاء من الانحرافات.

لكن الشاهد الذي يهمنا في مقامنا الآن هو أن مسألة الشرعية في الإسلام تتعلق أول ما تتعلق بتطبيق الشريعة، فهذا هو جوهر النظام وأصله وأساسه، بغض النظر عن القائم عليه وطريقه وصوله للإمامه.. فهذا القبول الاضطراري بالمتغلب وبالتوريث لم يقابله تهاون في مسألة الشريعة نفسها، بل العلماء يتفقون على أن الحاكم إن كفر فإنه ينعزل عن الإمامة ويُقام عليه، فإن كان ثمة عجز سُعِي في الإعداد للقيام عليه. فالتهاون كان في شأن الشخص لا في شأن الشريعة التي هي النظام.




[1] راجع هذه المقالات:
الشرعية ركيزة الثورة   - https://goo.gl/XYdjhV
سياسة هدم الشرعيات - https://goo.gl/t1FDxX
الشرعية والعصبية - https://goo.gl/1WMQ1p


[2] انظر مثلا: https://goo.gl/Fc4nZS

الأربعاء، يناير 10، 2018

دليلك لقراءة تاريخ مصر الحديث

من أهم ما وصلني من تعليقات على المقال السابق هو ما ذكره إخواننا المحبون للروايات والمتحمسون لها، يرون أنها لا تقل أهمية عن المذكرات الشخصية، إذ في كلا الحالتين: يروي المؤلف ما وقع له، وتصطبغ روايته بالذاتية والانحياز والتوجه الفكري، ويزيد على ذلك في حالة الروايات قدرة الروائي على نسج الحكاية في أسلوب مشوق وتسلسل جذاب يكون أحسن حالا بلا شك من كاتب المذكرات الذي إن وفق في تسجيل روايته فلن يوفق في عرضها كما يفعل الروائي.

وفي الحقيقة ليس لدي جديد أضيفه على حجتي التي كتبتها في المرة السابقة، وخلاصتها أنه مهما سلمنا بهذا، فإن الحقيقة هي المتضرر الأكبر، فالروائي يحكي خياله، أما كاتب المذكرات فيحكي واقعه، ومهما حاول الذي يحكي الخيال أن يجعله واقعيا فلن يكون أقرب إلى الحقيقة من الذي يحكي الواقع مهما حاول تلوينه وتوجيهه، ولا بأس هنا بمثال واحد لتقريب الصورة.

رباعية "الوسية" التي ألفها خليل حسن خليل، وتحول الجزء الأول منها إلى مسلسل تلفازي مشهور، هذا الجزء الأول ينتمي إلى عالم المذكرات الشخصية، رغم كونه مصاغا بأسلوب أدبي ثري وقوي.. ثم يأخذ هذا الطابع في التحول تدريجيا في الجزء الثاني "الوارثون" ثم الثالث "السلطنة" حتى يأتي الجزء الرابع والأخير "الخلاص" ليكون رواية تامة، رواية خيالية، يحاول صاحبها من خلال الترويج لفكره اليساري.

بقدر ما كان الجزء الأول كتابة أدبية قوية وذا قيمة تاريخية ممتازة في مجال التاريخ الاجتماعي، بقدر ما كان الجزء الأخير رواية تافهة بائسة مثيرة للشفقة. إن الرجل الذي روى صباه وشبابه في أيام الملكية استطاع أن ينقل صورة نابضة بالحياة، شخصيات إنسانية مركبة تعمل في سياق يمثل بذاته حبكة فنية دون الحاجة لاختراعها (وبرأيي أن الواقع دائما أشد ثراء وتركيبا من الخيال، ولكن الموهوب هو القادر على استخراجها)، وظل هذا يخفت في الجزء الثاني ثم يخفت أكثر في الثالث لحساب فن الرواية حتى جاء الجزء الرابع مؤسفا: شخصيات سطحية وحبكة ساذجة وحوارات فقيرة.. صورة متكاملة ليساري بائس يحاول الترويج ليساريته دون حتى أن يحاول فهم خصومه من الإسلاميين والليبراليين، فلم يجد إلا تسطيحهم وتشويههم.

ربما في مقام آخر أتمكن من التوسع والتفصيل في شأن هذه الرواية، لكنني هنا أضرب بها المثل في مجال أن المذكرات أصدق إنباء من الرواية، ودليلي أن الكاتب الواحد نفسه لما كتب مذكراته أجاد وأفاد، ولما تخيل رواية يكتبها كانت الثمرة ميتة ذابلة!

قد يُقال: لعل الرجل لم يُؤت موهبة الرواية، ولو أوتيها لكان آخره كأوله بل لربما كان أحسن من أوله. وأقول: ربما، وهو أمر أترك النقاش فيه لمحبي الأدب والرواية، ولكن من موقع الباحث في التاريخ الذي تهمه الحقائق والوقائع في المقام الأول، والذي يحاول تقريب التاريخ من عموم القراء، أقول: إن موهبة الرواية هنا ستكون كموهبة التزوير، إنها القدرة على صياغة خيال أشبه ما يكون بالواقع، وأحسن منه: أن يُسرد الواقع كما كان بقدر الوسع والاستطاعة، فلئن كان صاحب الرواية التاريخية ذا موهبة أدبية فقد اجتمع الحسنيان: نقل الواقع مع دقة الوصف.

تلك المقدمة التي طالت كانت تمهيدا لسؤال آخر من أكثر ما يردني، ويزداد ورودوه مع اقتراب موعد معرض الكتاب، حول المصادر المرشحة لتاريخ مصر الحديث.. الذي يبدأ من الحملة الفرنسية ويمتد حتى اللحظة الراهنة.
وقبل الإجابة لا بد من ذكر ثلاثة أمور مهمة:

1. أن مصر من أغنى البلاد بتاريخها، فهي لموقعها وأهميتها وثقلها الثقافي والسياسي كُتِب في تاريخها أكثر من أي بلد عربي آخر، وهي لطبيعتها الجغرافية لها شخصية حددت جغرافيتها منذ قديم، فلا تختلط مع بلد آخر، ومن هنا كان المكتوب في تاريخ مصر على يد أبنائها وغير أبنائها من الكثرة والغزارة والتنوع بمقام لا أحسب أحدا يستطيع الإحاطة به، كما أن المكتوب عنها بغير اللغة العربية ضخم وثري للغاية. فكل ما يُرشَّح في هذا الباب من أي باحث سيكون قاصرا بل ومتهما لدى باحثين آخرين لهم بحسب تنوع واختلاف السعة والاهتمام، وفي النهاية فعملية الترشيح هي اجتهاد ككل اجتهاد يصيب ويخطيء.

2. أن التاريخ هو رواية إنسانية للوقائع، وهذه الرواية تنتج متأثرة بالبيئة والواقع وعلاقات القوى المسيطرة عليه، وهذا معنى "التاريخ يكتبة المنتصر" لأن السلطة حريصة دائما على إنتاج المعرفة والأفكار، ومن هذا الحرص: إنتاج روايتها للتاريخ التي تدعم شرعيتها وأفكارها وقيمها وغاياتها. لذلك فكلما ابتعدت الفترة المدروسة عن تسجيلها كلما كانت كتابتها أفضل لخفوت تأثير القوى المسيطرة والكشف عن روايات ووثائق أرادت لها السلطة أو شبكات القوى أن تختفي، ولهذا ترى مدارس تاريخية أخرى أن التاريخ ينتصر على السلطة في نهاية الأمر، لأنه يمكن دائما استخلاص التاريخ الذي شاءت السلطة تغيبه. ومن هنا فبقدر ما نعاني حتى الآن نقصا في مصادر تاريخ مصر الحديث باعتبار أن دولة محمد علي العلمانية العسكرية الحديثة لا تزال مستمرة، بقدر ما أن معرفتنا بالتاريخ تتناقص تدريجيا، فنحن نعرف عن دولة محمد علي أفضل مما نعرف عن دولة السيسي، فتظل معرفتنا تتناقص كلما اقتربت الفترة التي نبحثها.

3. الخلاف حول تفسير التاريخ، كما يقول جلال كشك، ليس ترفا نظريا وإنما هو في حقيقته خلاف حول المستقبل. ومعنى كلمة جلال كشك ببساطة: أن الذي يعتبر أن الحملة الفرنسية كانت خيرا ستكون رؤيته للمستقبل نقيض الذي يعتبرها شرا، كذلك الذي يرى أن محمد علي هو مؤسس مصر الحديثة وباني نهضتها ستكون رؤيته للمستقبل على عكس الذي يراه رجل الغرب وممثل مصالحه وأول من مزق المجتمع المصري وقضى عليه ومكَّنَ للأجانب فيه... وهكذا.

ثم نأتي للكتب المرشحة، وسأكتفي بعشرين عنوانا فقط، قسمتها في أربع تصنيفات، في كل تصنيف خمسة، وهي في التاريخ السياسي فحسب:

أولا: الكتب ذات المجلد الواحد
-      موجز تاريخ مصر في الحقبة العلمانية، أسامة حميد
-      تاريخ مصر الحديث، د. محمد مورو
-      ودخلت الخيل الأزهر، محمد جلال كشك
-      الحركة السياسية في مصر، طارق البشري
-      ثورة يوليو الأمريكية، محمد جلال كشك

ثانيا: كتب متوسعة
-      عجائب الآثار، عبد الرحمن الجبرتي
-      تاريخ الأستاذ الإمام، محمد رشيد رضا
-      تقويم النيل، أمين سامي
-      حوليات مصر السياسية، أحمد شفيق باشا (وبالتأكيد أن هذا لا علاقة له بأحمد شفيق المعاصر)
-      تاريخ الحركة القومية في مصر، عبد الرحمن الرافعي

ثالثا: المذكرات الشخصية
-      مذكرات أحمد عرابي، بتحقيق: د. عبد المنعم الجميعي
-      مذكرات اللورد كرومر (مصر الحديثة)
-      مذكرات سعد زغلول
-      مذكرات محمد حسين هيكل (مذكرات في السياسة المعاصرة)
-      مذكرات عبد اللطيف البغدادي

رابعا: كتب مستشرقين
-      لمحة عامة عن مصر، كلوت بك
-      قاموس تراجم مصر الحديثة، آرثر جولد شميت "الابن"
-      الأصول الاجتماعية والثقافية لحركة عرابي، جوان كول
-      التاريخ السري لاحتلال إنجلترا مصر، ولفرد سكاون بلنت
-      رؤية جديدة لمصر: 1919 - 1952، تحرير: آرثر جولد شميت وآخران

وفي النهاية أذكر بما تعلمناه من أسلافنا العظماء العلماء من أن "العلم ينادي بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل"، والعلم لا يبقى في الصدور إلا حين يريد صاحبه استثماره في الواقع، والثقافة لمجرد الثقافة عبث وتضييع أوقات وأعمار.

اقرأ أيضا: مختصر تاريخ مصر في مقال واحد، وتبسيط تاريخ مصر في ثلاث مقالات: الأول، الثاني، الثالث.